يعتبر محلل عسكري إسرائيلي، يوآف زيتون، أن وهم السلام في شمال قطاع غزة ينهار وأن الطرفين يستعدان للقتال فيما تشير مصادر لاستعدادات لفتاح معبر رفح. ويتساءل زيتون في تحليل تنشره صحيفة «يدعوت أحرونوت» إن كان اللواء الشمالي الجديد لـ«حماس» يسيطر على جباليا وبيت لاهيا والعطاطرة، شمالي مدينة غزة؟
ويجيب على ذلك بالقول «على بُعد 200 متر من هناك، يوجد ساتر حاجز أسمنتي مربع باللون الأصفر؛ هذه هي الحدود الآخذة بالتشكل؛ أمامنا شارع مدمّر مغطى بالأنقاض، نقف فوق سدّه الترابي ونراقب منه أطلال الحيّ المركزي الخالي في جباليا؛ يظهر مسلحون لفترات قصيرة، فيتعرف عليهم الجنود، ودبابة تسارع إلى تطويق الموقع قبل إطلاق قذيفتها. مَن يوجّه طاقم الدبابة مجموعة من ضباط الاحتياط من الكتيبة التي تتبدل الآن في الموقع وتقوم بتسليم المهمات لرفاقها؛ الضباط كانوا على وشك إطلاق مسيّرة تحمل ذخيرة، لكن سلاح المدرعات كان أسرع، ويريد أن يكون هو مَن يسخّن روتين يومهم البارد قليلاً؛ يُصدر قائد القوة تعلمياته. التوجيه سهلٌ في حيّ يخضع لسيطرة حماس، حيث لم يبقَ كثير من المباني قائماً؛ لذا، يسهل تمييز كل مبنى منها؛ يتأكد قائد القطاع من أن فوهة مدفع الدبابة لا ترتفع أكثر من اللازم، كي لا تنزلق القذيفة شمالاً أكثر، في اتجاه بيت لاهيا، أو حتى إلى الجانب الإسرائيلي».
كما يشير لعقلية التدمير والإبادة لدى القادة العسكريين في الميدان أيضا: «بعكس وتيرة النيران الجنونية في الحرب، هذه المرة، الجنود لديهم وقت لتغطية آذانهم، بينما تُطلق الدبابة قذيفتها على بُعد 20 متراً عنا، لتسقط بالقرب من المبنى ذي الطبقات الخمس؛ مخلّفةً صدى انفجار واحد وحادّ يخرق الصمت، والشخصيات المشتبه فيها تختفي كأنها لم تكن، والتي لم تكن مسلحة، ولم تعبر الساتر الأسمنتي الأصفر الذي بالكاد يُرى من الموقع، لكن ذلك كان كافياً لتذكير الطرف الآخر بأن الجيش الإسرائيلي هنا، وبقوة، وأن العبور يعني خطر الموت الفوري».
ويكشف زيتون أن «الحديث عن انسحابٍ من هذا الخط إلى المنطقة العازلة بالقرب من الحدود، كجزءٍ من المرحلة الثانية الطويلة الأمد، بالاتفاق مع حماس لا يترك أيّ انطباع لدى الضباط هنا، كما أنه لا يتماشى مع الواقع على الأرض: على سبيل المثال، يجري بناء برج بارتفاع 42 متراً سيكون مزوّداً بتقنيات مراقبة متعددة؛ فالجيش الإسرائيلي يستثمر هنا عشرات ملايين الدولارات في دفاع قوي وجمع معلومات محسَّن عن العدو في عُمق القطاع؛ مَن يفعل ذلك لا ينوي المغادرة قريباً».
ويزعم المحلل العسكري الإسرائيلي أن لدى جيش الاحتلال تقديرات أن «حماس» أكملت في الفترة الأخيرة تعيين العشرات من قادة السرايا والكتائب والألوية الذين تميزوا خلال العامين الأخيرين، بدلاً من الذين قُتلوا، ومتوسط أعمارهم، وفق تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، بين 30 و40 عاماً. ويقر زيتون أن الهدم والسحق هو شعار العمل في اللواء الشمالي لجيش الاحتلال على الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر؛ في مدينة بيت حانون، ما زال 71 مبنى يتعيّن على القوات سحقها – حرفياً، تحويلها إلى فتات وغبار، والتي قُتل فيها عشرات الجنود خلال الغارات المتكررة على كتيبة «حماس» المحلية، التي كانت تُعَد قبل الحرب من أضعف كتائب التنظيم.
ويتابع «هنا، خسر قائد لواء ناحال العقيد يائير تسوكَرمان في العام الماضي، وخلال معظم مراحل الحرب، نحو 20 جندياً في أسابيع. لقد حوّل مقاتلو حماس الأنقاض إلى ميزة، فكانوا يختبئون داخل فراغات مخفية بين الجدران والأسقف المنهارة نتيجة ضربات الجيش، وأحياناً، كان عددهم يتراوح ما بين 10و15 مسلحاً؛ إن كميناً كهذا كان يمكن أن يستمر أسابيع من دون اكتشافه، بينما تمرّ قوات الجيش في محور قريب ولا تلاحظ وجودهم، إلى أن يزرعوا ويفعّلوا عبوات ناسفة، ويهاجموا لاختطاف جثث، ويختفوا في نفق قريب، وبعد الهدم بالجرافات، تمرّ مركبة هندسية لتسوية كل شيء بالأرض».
ويقول إنه حسب تقديرات اللواء الشمالي في جيش الاحتلال ما زال هناك في الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر، في داخل جيوب الأنقاض الأخيرة، عدد قليل من المسلحين المتحصنين بصمت داخل فتحات لم تُكتشف بعد؛ لذلك، كل عملية هدم، أو كشف بنية تحتية «إرهابية»، مثل مخازن السلاح، أو منصات إطلاق الصواريخ التي تُكتشف، تُنفَّذ كمهمة هجومية كاملة: نيران تمهيدية، الدخول بقوة، تغطية من جميع الجهات، وتخريب المنطقة لمنع المفاجآت. كما يقول إنه نظراً إلى أن الحديث يدور حول مساحة كبيرة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية خلف الحدود، لا يمكن مسح كل كيلومتر مربع منها تحت الأرض؛ لذلك، اختيرت طريقة تحييد الأنفاق عبر «الشرائط»: حفر عميق مقسّم إلى مناطق محددة، مقاطع تتيح تغطية جيدة نسبياً واستجابة عالية لاكتشاف وتحييد الأنفاق، وخصوصاً تلك التي تعبر الخط الأصفر. وكلّ حفر لا يكتشف فراغات تحت الأرض فحسب، بل يزرع أيضاً حسّاسات حتى عُمق المياه الجوفية، على عُمق 60–70 متراً، لتنبيه أيّ حفر جديد في المستقبل. هذه الطريقة لم تُختبَر بعد اختباراً حاسماً.
ويخلص المحلل العسكري الإسرائيلي للقول إن الرياح التي تهبّ من الميدان، بعد ثلاثة أشهر على نهاية الحرب، ليست رياح دفاع ثلاثي فقط، أو سباقاً لتنظيف الخط الأصفر من أوكار «الإرهاب»، بل القوات هنا تهيئ الأرض أيضاً لاستئناف القتال مع «حماس»، وانهيار وقف إطلاق النار، لإدخال فرق عسكرية مجدداً، ولاندفاع سريع نحو مواقع «حماس» المسيطِرة التي نراها أمام أعيننا الآن. ويضيف «لكن أمام الفشل في الحسم مع حماس، وإعادة تعاظُمها، والاعتراضات داخل الجيش على دور قطري في بناء دولة جديدة لمليونَي غزي، يبدو كأن الخيار العسكري، مرة أُخرى، فقط الخيار العسكري، هو مسألة وقت لا أكثر».
في سياق متصل نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية عن مصادر مطّلعة أن ترتيبات تشغيل معبر رفح أُنجزت فعلياً، خلافاً للتصريحات الإسرائيلية العلنية، على أن يُفتتح المعبر خلال 48 ساعة من صدور الموافقة الرسمية، وذلك ضمن المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي.
وبموجب الخطة، سيُقام معبر إضافي ملاصق للمعبر القائم يُعرف بـ«رفح 2»، تتولى إسرائيل تشغيله، وتُجرى فيه فحوصات أمنية إضافية لمنع التسلل وعمليات التهريب.
وبحسب التفاصيل، سيتولى تشغيل المعبر الرئيسي فريق بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية إلى جانب عناصر من جهاز الاستخبارات العامة التابع للسلطة الفلسطينية، بينما تُحال قوائم الداخلين إلى قطاع غزة من طاقم البعثة الأوروبية إلى الجانب الإسرائيلي لفحصها أمنياً من طرف جهاز الأمن العام. وتشمل آلية التفتيش الإسرائيلية فحصاً عن بُعد لصور الوجوه، وبطاقات الهوية، وعمليات المسح والتصوير الأمني، من دون وجود ميداني مباشر داخل المعبر. في موازاة ذلك، أعلن ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية الجمعة أن المجلس الوزاري المصغر سيبحث الأسبوع المقبل في مسألة فتح المعبر، إلى جانب ملف استعادة جثة الجندي الأسير الأخير في غزة.