التاريخ المظلم للعلماء..عبد الغني سلامة

الأربعاء 21 يناير 2026 10:24 ص / بتوقيت القدس +2GMT
التاريخ المظلم للعلماء..عبد الغني سلامة



بدايةً، ينبغي التمييز بين «العِلم» بوصفه معرفةً ونوراً وحكمة، و»العلماء» بوصفهم بشراً يخضعون مثل غيرهم للمصالح والأهواء، ويتأثرون بالبيئة والثقافة السائدة، ونظام الحكم.. لكن العِلم لا ينفصل عن العلماء؛ فهم مؤسسوه وروّاده، وعلى مرّ التاريخ، لعب العلماء دور المحرك الأساسي لنشوء المدن والحضارات، وقادوا عمليات التطور عبر الاكتشافات والاختراعات، وبنوا صرح المعرفة الإنسانية المتراكمة عبر البحث الترجمة والابتكار، واجترحوا الحلول العملية لمشكلات المجتمع.

لكن مسيرة العلماء لم تكن مشرقة تماماً؛ فبعضهم أدى أدواراً سلبية ومظلمة، لا بسبب العلم نفسه، بل بسبب توظيفه، أو إساءة استخدامه، تماماً كما أساء بعض رجالُ الدين للأديان كافة.
قبل نشوء العلم، أي في مرحلة السحر والشاهنامة، كان الكهنة يحتكرون المعرفة ويورثونها كأسرار، ويكتمونها عن بقية الناس، ولأنهم لم يمتلكوا أدوات العلم الحقيقية نشروا ثقافة الخزعبلات والأساطير.
وعندما بدأ العلم يشق طريقه مع نشوء الحضارات الأولى في مصر القديمة ووادي الرافدين (قبل 5000 سنة تقريباً)، استخدم العلماء علومهم لبناء الصروح الضخمة للملوك، وفي خدمة الجيوش والمجهود الحربي، ولم يستفد منهم عامة الشعب (أو كانت استفادتهم عارضاً جانبياً)، وبذلك ساهموا في تفشى الخرافات والغيبيات في أذهان العامة.
وفي مراحل لاحقة مع ظهور الحضارات اليونانية والرومانية وبروز كوكبة من العلماء والفلاسفة (قبل 2500 سنة تقريباً)، لم يهتم هؤلاء بالقضايا التي تشغل الناس، ولم يتحدّوا النظم الاقتصادية والدينية والاجتماعية السائدة؛ حيث انشغلوا في الهندسة وحركة النجوم، ولكنهم أبداً لم يبحثوا في أخلاقيات نظام العبودية والإقطاع، أو في هموم الفقراء، أو في نشر الوعي.
ومع بدايات عصر النهضة، كرّس بعض العلماء جهودهم في حركة الكشوف الجغرافية للبحث عن قارات جديدة مليئة بالثروات والفرص وإمكانات النهب والاستغلال، وبعضهم اخترع آلات للتعذيب. وفي المرحلة الاستعمارية شارك بعض العلماء في صياغة نظريات التفوّق العرقي، وتبرير استعمار الشعوب باسم العلم، وتصنيف البشر وفق مقاييس عنصرية زائفة، واستخدموا دراساتهم لتبرير الاحتلال والاستغلال والعبودية ونزع الإنسانية عن الآخر، أو في أحسن الأحوال سكتوا عن جرائم القتل والاضطهاد، وامتهان كرامة الإنسان.
في القرن العشرين، وحتى وقتنا الراهن، شارك بعض العلماء في التجارب اللاأخلاقية على البشر دون موافقتهم، لتصنيع أسلحة كيماوية وجرثومية وبعض الصناعات الدوائية وحتى في تجارب سريرية على بشر دون تخدير، فضلاً عن دورهم الخطير في صناعة أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية وصواريخ الإبادة الجماعية، مستندين إلى فكرة «الحياد العلمي»، وكأنَّ العالِم غير مسؤول عن نتائج علمه.
وما زال بعضهم يوظفون علومهم في خدمة الدكتاتوريات، يسوغون القمع، ويشرعنون الاستبداد، وبعضهم يقدمون أنفسهم لخدمة الشركات الرأسمالية والاحتكارية، من خلال إنتاج علوم مزيفة، أو تطويع نتائج البحوث لصالح مشغّليهم، أو حتى تزويرها.. يؤكدون على ما تريده السلطة أو السوق، أو وفق المزاج الشعبوي، حيث يختزلون القضايا المعقّدة في شعارات، ويحوّلون المعرفة إلى سلعة أو أداة شعبوية.
بعضهم وقفوا ضد الاكتشافات العلمية أو التحولات الاجتماعية، لا بدافع علمي، بل خوفاً على المكانة أو نفوراً من الجديد، فأسهموا في إبطاء مسارات التقدم، وأحياناً في تجريم التساؤل والبحث.
يستخدم هؤلاء العلماء نفوذهم المعرفي (أو الديني) لإقصاء المخالفين، أو تشويههم، يُسكتون النقد بحجة الاختصاص، ويستخدمون «اللقب» العلمي لإغلاق النقاش، ويمنحون المعرفة «حصانة» زائفة، بينما العِلم الحقيقي يقوم على النقاش والشك والاختبار.
صناعة الهالة الزائفة أحد أخطر أدواتهم، حيث يقُدِّمون أنفسهم بوصفهم مختصين أو فوق النقد، والمجتمع يساعدهم في ذلك، ما منح آراءهم سلطة مطلقة، وألغى المساءلة، وجعل الخطأ مضاعف الأثر، ما أفقد العلم رسالته النقدية.
أخطر العلماء هم أولئك الذين يتخلّون عن الشكّ والنقد، ويبيعون الوهم باسم اليقينيات، وبالتالي يحوّلون العلم إلى أداة مساعدة للظلم والاستغلال بدل أن يكون مرآةً للإنسانية وصوتاً للحقيقة.. أو أولئك الذين ينفصلون عن المجتمع وهمومه، وعن الوطن وقضاياه، وحتى عن المسائل التي تشغل البشرية جمعاء، أو لا ينحازون للقضايا الإنسانية والتقدمية، متناسين البعد الأخلاقي للعلم والمعرفة، ومقدّمين «الإنجاز العلمي» على كل شيء آخر.
في منطقتنا العربية أساء الكثيرون من المحسوبين على «العِلم»، خاصة حملة الشهادات العليا، حيث تجد مهندساً مختصاً أو طبيباً بارعاً أو أستاذاً جامعياً يستمع بكل جوارحه لخطيب «مفوّه»، يصرخ بخطاب شعبوي تسطيحي، ويروّج للخرافات والخزعبلات.
في الولايات المتحدة وظَّف العديد من العلماء والمهندسين والمبرمجين علومهم وقدراتهم لصالح الاحتلال في حرب الإبادة ضد المدنيين والأطفال.. كما سبق أن وضعوا أنفسهم في خدمة مشاريع الإمبريالية وسحق الشعوب وسرقتها.
الحديث عن هذه الفئة من العلماء مهمٌّ حتى لو شكّلوا نسبة ضئيلة جداً، لأن أدوارهم كانت خطيرة وهدامة.. واستحضار هذه النماذج السلبية ضروري، لا للطعن في العلم، بل للتأكيد على أنَّ العالِم، مَهما علا عِلمه، ومهما نال من شهادات وجوائز يظل محتاجاً إلى الضمير، وللتذكير بأنَّ المعرفة بلا أخلاق تتحول إلى أذى وضرر لا إلى نور ومنفعة، وأنَّ العِلم لا يحصّن صاحبه أخلاقياً، واللقب لا يمنح العصمة.