لا يختلِف اثنان بأنّه رغم عدم التكافؤ في القوة بين “الدولة العظمى”، إسرائيل، المدعومة من رأس الأفعى، الولايات المُتحدّة الأمريكيّة، يلعب نظريًا لصالحها في المعركة مع حزب الله، ولكن أمس الأحد، أوْ (الأحد الأسود) للإسرائيليين، تمكّنت مسيّرةً تابعةً لحزب الله من استهداف قاعدةٍ لجيش الاحتلال في مدينة بنيامينا، جنوب حيفا، الأمر الذي أدّى لمقتل أربعة جنودٍ وإصابة أكثر من سبعين بجراحٍ مختلفةٍ، وبموازاة ذلك أطلق الحزب أكثر من 160 صاروخًا بتجاه عمق الكيان.
وقبل 17 عامًا، أي في العام 2007، أصدر الباحث الإسرائيليّ داني بركوفتش، دراسةً تحت عنوان: “هل يمكن قطع رؤوس الهيدرا؟ معركة إضعاف حزب الله”. والهيدرا هو ثعبانٌ بحريُّ أسطوريُّ، إذا قطعت رأسه يخرج اثنان عوضًا عنهما، والذي تمّ في نهاية المطاف قتله بأيدي البطل هيركولس، كما تؤكِّد الأسطورة.
ومن خلال العودة الى هذه الدراسة، التي جاءت في 98 صفحة، ونشرها مركز أبحاث الأمن القوميّ التابع لجامعة تل أبيب، في كانون الأوّل (ديسمبر) من العام 2007، سنُلاحظ مدى التشابه الكبير ما بين ما نظّر إليه بركوفتش، وما بين مراحل العدوان الحالي بنسبةٍ كبيرةٍ ومتطابقةٍ الى حدٍّ ما، خاصةً لناحية 3 أركان أساسية ممّا اعتبره مصادر قوة حزب الله: إضعاف قوة العقيدة والإيمان، وضرب قوة التجذر الشعبيّ، واستهداف قيادة الحزب خاصةً الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وإضعاف قوة الروابط الإقليمية للحزب خاصّةً مع إيران (العمق الإستراتيجيّ للمقاومة).
استهداف قيادة الحزب وخاصةً الأمين العام نصر الله
أمّا اللافت جدًا في البحث، فهو تركيزه على ضرورة التصفية المركّزة لقيادة حزب الله، وخاصة الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، لأنّه يرمز الى قوة العقيدة. معتبرًا أنّ هناك ضرورة لحرمان حزب الله من مصدريْ القوة الشعبية وقيادة السيد نصر الله، بأيّ ثمنٍ بل له أسبقية على أيّ إجراءٍ آخر.
ووفق بركوفتش: “التخلص من نصر الله سيمس بشكلٍ هامٍّ بالحزب، وسيمنح إسرائيل انجازًا معنويًا من الطراز الأول، وسيُسرِّع من عملية إضعافه، حتى وإنْ كان ذلك بثمن ظواهر عرضية على شكل عملياتٍ انتقاميّةٍ، من جانب حزب الله ضد إسرائيل”.
ورأى الباحث أنّ هناك فقدان بديل ظاهر للعين لزعامة السيد نصر الله، الذي يلعب دورًا سياسيًا في صياغة صورة حزب الله، لافتًا إلى أنّ السيد نصر الله استطاع الدمج بين القدرات الشخصية، من كاريزما وذكاءٍ سياسيٍّ وإداريٍّ، وتحوّل من “أمين عام الميليشيا”، إلى زعيم كيانٍ سياسيٍّ، يتجاوز تأثيره وطموحاته، حدود الطائفة الشيعية والدولة اللبنانية، الى مدى إقليميٍّ.
وشدّدّ الباحث على أنّ زعامة السيد نصر الله، هي العامل الأساسيّ في التماسك السياسيّ والأيديولوجيّ لحزب الله وعلى قدرته على تجنيد الجماهير، تحديدًا من الطائفة الشيعية، وبأنّه يتمتع نصر الله باحترامٍ شخصيٍّ وبصورة الزعيم الأمين والكفء داخل دوائر واسعة خارج منظمته، بل وأيضًا في أوساط خصومه مثل الجمهور الإسرائيليّ.
واعتبر بأنّ لدى إسرائيل تجربة متنوعة في استهداف قادة المقاومة دون أنْ تحقق مكاسب استراتيجيّة، من ضمنها اغتيال الشهيد عباس الموسوى، الذي لم يؤد اغتياله الى إضعاف حزب الله وإنّما عززته ومكّنت نصر الله من تولى قيادته. مضيفاً بأنّه طالما أنّ للحزب مصادر القدرة، فتوجد إمكانية كبيرة بأنْ يعود ويرمم نفسه.
المسّ بعلاقة الحزب مع إيران
واعتبر الباحث بأنّ المسّ بعلاقة حزب الله مع إيران سيهيئ الأرضية لتنفيذ بقية شروط إضعاف الحزب. فذلك سيؤدي وفقًا لزعمه، الى تضرر علاقة الحزب بسوريّة مباشرةً، وسيضرب مكانة الحزب داخل الطائفة الشيعيّة، وعلى قدرته كقوّةٍ عسكريّةٍ تشكل تهديدٍا لإسرائيل، وكلّ هذا سيجعل قدرة حزب الله تضعف، وسيغرقه داخل لبنان على حساب أجندته الإقليمية.
علاوة على ما ذُكِر أعلاه، جزم بركوفتش أيضًا، بأنّه في كلّ الأحوال فإنّ معقولية تغيير استراتيجي للعلاقة ما بين إيران وحزب الله، هي معقولية منخفضة، ولإسرائيل تأثير مقلص جدًا في هذا المسار.
الغاية الإستراتيجيّة من مواجهة حزب الله
عند هذه النقطة، قد يتساءل البعض، عمّا هي الغاية الاستراتيجية لكلّ ما ذكره البحث، ولكلّ ما يحصل الآن من العدوان الإسرائيليّ على لبنان.
وحول هذا النقطة، سيُجيب الكتاب بما هو واضح ومحدّد ودقيق، بأنّ الغاية هي: “تقليص الخطر الذي يشكله حزب الله على أمن إسرائيل وعلى استقرار المنطقة، من خلال إضعاف قوته وتحويله إلى لاعبٍ هامشيٍّ غير ذي صلة تجاه المعادلات الإقليميّة، وبناءً على هذه الرؤية، يجب أنْ تتركّز المعركة الفعالّة لإضعاف حزب الله، في فصله عن مصادر قوته”، على حدّ تعبيره.
ختامًا، فإنّه وفق الخبراء في إسرائيل فإنّ الحديث يجري عن تطوّرٍ لافتٍ وخطيرٍ للغاية، وفق ما جاء في تقريرٍ خاصٍّ لصحيفة (هآرتس) العبريّة، والتي أكّدت أنّ حزب الله قام في شهريْ تموز وآب المنصرميْن بنشر فيديوهاتٍ تُظهِر قيام المسيرات الجديدة باستهداف مواقع عسكريّةٍ إسرائيليّةٍ وإصابتها، مُضيفةً أنّ هذا النوع من الطائرات دون طيّارٍ يتّم استخدامه في الحرب الروسيّة- الأوكرانيّة.
وخلُصت الصحيفة إلى القول إنّ الحديث يجري عن مسيرات سباقٍ، والتي يستخدمها الحزب لضرب منشآتٍ وقواعد عسكريّةٍ إسرائيليّةٍ، كما أكّدت الفيديوهات التي نشرها الحزب.


