لقد جاء الموقف الجماهيري الفلسطيني بكل تفاصيله وأشكاله في التعاطي المتصدي ببطولة لمسيرة الأعلام الصهيونية ودخولها إلى المسجد الأقصى، جاء كما هو متوقع: بطولياً شاملاً موحداً مستمراً، باعثاً ومؤكداً الفخر والاعتزاز ومعهما الإكبار والثقة والاطمئنان.
لكن هذا لا يلغي السؤال: هل تصبح هذه المسيرة وما قد يلحق بها من تطوير طقساً سنوياً تكرره حركة الاستيطان برضا وموافقة وحماية من الحكومة الصهيونية القائمة؟
لا يبدو في الأفق القائم حتى الآن ما يمنع مثل هذا التكرار. ولا ما يلغي احتمالات إدخال إضافات وتغييرات أكثر عدوانية واستفزازاً عليه.
وبالمقابل، ليس هناك ما يلغي بالتأكيد أو يقلل من مستوى وقدرة التصدي الفلسطيني له، ومن إمكانية تطوير هذا التصدي وتعميقه على كل المستويات وبكل الوسائل.
ما يدفع إلى هذا القول، تضافر واستمرار ثلاثة عوامل رئيسة: العامل الأول، استمرار تغوّل قوى اليمين الديني الصهيوني وسيطرتها المندمجة مع حركة الاستيطان وتحكمها في مسار قوى المجتمع في دولة الاحتلال، وفي الحكومات التي يتم تشكيلها وبرنامجها ومسارها السياسي، وبأجهزتها التنفيذية. بالذات لجهة التعامل الفوقي الاحتلالي الاستيطاني مع الفلسطينيين، أهل البلاد وأصحابها، ورفض الاعتراف بحقوقهم وبقيادتهم السياسية وهيئاتهم.
والثاني، استمرار حال الانقسام بين قوى النضال الوطني الفلسطيني واستمرار وجود أكثر من مركز قرار وعدم التوحد والإجماع على سياسات وطرق وأساليب التعامل مع الاحتلال والنضال ضده وضد دولته وحكوماته وأجهزته المختلفة.
والثالث، وصول الحراك السياسي على المستوى الدولي إلى حال من السكون تقترب كثيراً من الموات، بالذات على مستوى الحكومات والمؤسسات والأجهزة الدولية.
وهو حال يصب في مصلحة الكيان الإسرائيلي المحتل، ويحرر دولة الاحتلال وحكوماتها من أي قيود وضغوط ومعيقات على حركتها، وعلى مشاريعها التوسعية الاستيطانية بالذات، ويعفيها من المطالبات أو المساءلات والمقاطعات، ومن الإدانات والمواقف الجدية الرافضة والمدينة.
في مواجهة هذا الحال تأتي الأقوال التي نقلت عن الرئيس محمود عباس عبر بعض الصحف، إنه سيرد على دولة الاحتلال وسياساتها ومشاريعها بتنفيذ قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة، بما يشمل تعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967، وبما يشمل أيضا وقف التنسيق الأمني معها بأشكاله المختلفة وبكل المستويات.
إن هذه الأقوال للرئيس تشكل في الوقت نفسه، نوعاً من إعلان موقف من الولايات المتحدة الأميركية وقيادتها، وتذكيرها بأنها لم تفِ بأي من التوجهات أو الوعود التي أعلنت عنها تجاه الفلسطينيين وقضيتهم الوطنية وتجاه مواقفها وعلاقاتها معهم وطرائق وأدوات تلك العلاقة....
وتشكل في الوقت نفسه استقبالاً استباقياً لزيارة الرئيس الأميركي "بايدن" إلى المنطقة التي أصبح موعدها قريباً يطرق الأبواب، في محاولة لفرض مبكر للموضوع الفلسطيني وعناوينه ومطالبه وضروراته على جدول أعمال هذه الزيارة الذي يخلو حسب المعلن وحتى الآن من أي عنوان حول الموضوع الفلسطيني، بالذات في علاقته مع دولة الاحتلال.
بقدر ما هي مهمة وجادة أقوال الرئيس، فإن انتقالها من الإعلان والأخبار الصحافية إلى أرض الواقع السياسي والنضالي وتحققها يبقى هو الأهم.
وتبدو الأجواء العامة، بالذات على مستوى أهل الوطن وقواعد وجماهير القوى والتنظيمات الفلسطينية على درجة أكثر تقبلاً وجاهزية، بل وتشجيعاً لانتقال هذه الأقوال إلى أرض الواقع السياسي النضالي الموحد.
وقد تأكدت حقيقة هذه الحالة الجماهيرية في وحدة الموقف النضالي للكل الوطني وتعبيراته العملية الواقعية الموحدة في أرض النضال ضد الاحتلال، بالذات تلك التعبيرات العظيمة في الدفاع البطولي الموحد والمتواصل عن القدس والمقدسات طوال الأشهر الأخيرة.
وقد يكون أفضل الطرق الواقعية والملموسة لانتقال أقوال الرئيس إلى أرض الواقع السياسي والنضالي هو الدعوة إلى عقد اجتماع (أو اجتماعات حسب ما يفرضه الواقع الفلسطيني وتشتت أهل الوطن) للقيادة الفلسطينية بمختلف مكوناتها التنظيمية والشعبية والنضالية.
الهدف المركزي لمثل هذا الاجتماع، هو مناقشة ما تطرحه وتدعو له هذه الأقوال للرئيس، وكيفية وآليات نقلها إلى أرض الواقع والتنفيذ، وذلك في إطار وحدة الموقف الوطني بكل مكوناته الشعبية والتنظيمية والنضالية، وبكل تعبيراته السياسية والجماهيرية والنضالية والبرنامجية، والسلطوية أيضا.
إضافة إلى وضع الاتفاق على طرائق التصدي الموحد لرد الفعل العدواني المتوقع بالتأكيد من دولة الاحتلال وأجهزتها على تحقق الاتفاق الوطني على ما تقدم.


