ما الذي يقصده كاتب يهودي بأن حماس "ستحتل" الضفة بعد الانتخابات؟

الإثنين 08 مارس 2021 07:35 م / بتوقيت القدس +2GMT
ما الذي يقصده كاتب يهودي بأن حماس "ستحتل" الضفة بعد الانتخابات؟



القدس المحتلة /سما/

هآرتس - بقلم: عميرة هاس     " ثمة عنوان في موقع “هآرتس” في 26 شباط الماضي، يرسم واقعاً متخيلاً. “في الوقت الذي تهدد فيه حماس بـ”احتلال” الضفة عبر الانتخابات، تنظر إسرائيل إلى أماكن أخرى”. هكذا يحلل عاموس هرئيل، الذي يتناول في جزئه الأول خوف شخصيات كبيرة في إسرائيل من فوز حماس في الانتخابات. عنوان يلخص جوهر المقال الأساسي. ويعبر بدون التواء عن إدراك مشوه للواقع. هيا نفحص:

الاحتلال: “إن استخدام هذه الكلمة، بحد ذاتها، خصوصاً في سياق الانتخابات الفلسطينية، غير إشكالي، فقد سبق وجرى في أحداث أخرى. مثلاً، هناك عنوان في “ذي ماركر” في العام 2019 عن الهند: “مع تريليون ونصف دولار ومحاربة للفساد، احتل مودي صناديق الاقتراع”. وعنوان آخر في “هآرتس” في 2012: “شعر ستاف شبير الأشقر احتل صناديق الاقتراع”. ولكن في عنوان مقاله، يشير هرئيل إلى احتلال منطقة جغرافية وليس إلى صناديق الاقتراع. بهذه الصياغة، يصبح الجذر “احتل” إشكالياً. الادعاء بأن مجموعة معينة من الشعب الفلسطيني “ستحتل” منطقة فلسطينية، ادعاء يخفي حقيقة أن هذه المنطقة تقع تحت نظام عسكري إسرائيلي منذ 53 سنة.

“الضفة أيضاً”… أي أن حماس ستحتلها إضافة إلى قطاع غزة، الذي “احتلته” منذ فترة. فبعد أن تم تفكيك المستوطنات وقواعد الجيش الإسرائيلي في العام 2005، تحول القطاع إلى منطقة واحدة متواصلة، لكنها أصغر بكثير من الضفة (365 كم مربع مقابل 5879 كم مربع). والضفة الغربية تشمل -حسب الخطوط التي ستوجه محكمة الجنايات الدولية في تحقيقها في جرائم الحرب والأبرتهايد- شرقي القدس والمناطق الفلسطينية غرب جدار الفصل ومناطق “ج” والمستوطنات. هل هذه هي الضفة التي ستحتلها حماس؟ المقارنة التي جرت هنا بين الضفة الغربية وقطاع غزة تولد انطباعاً كاذباً عن منطقة متواصلة وموحدة. فالمقارنة تخفي العملية البيروقراطية، والتخطيطية، والعسكرية العنيفة، التي تركز فيها إسرائيل الفلسطينيين داخل حدود مستوطنة، وتضم بالفعل نحو 61 في المئة من أراضي الضفة الغربية. وليس قطاع غزة سوى نموذج الجيب الذي يتم استنساخه بنسخ مصغرة في الضفة.

“حماس تهدد بالاحتلال”. تهدد من؟ احتلال مِن مَن؟ الجيش الإسرائيلي هو الجهة ذات السيادة في كل أراضي الضفة الغربية، بما في ذلك جيوب مناطق “أ”. وله وللشاباك ولتوابعهم (الشرطة والإدارة المدنية والمستوطنات) صلاحيات غير محدودة وغير مقيدة للعمل ضد الفلسطينيين في كل هذه المنطقة، مع أو بدون حماس. عندما يتجاهل العنوان هذا الاحتلال الحقيقي، فإن قدرة هذا التنظيم الفلسطيني وقوته المرعبة تضخمان إلى أبعاد خيالية ومخيفة. النص نفسه يتحدث عن “مناطق تقع تحت السيطرة المباشرة وغير المباشرة” لإسرائيل. هذا اعتراف بوجود الجيوب. مع ذلك، فإن تعريف “سيطرة غير مباشرة” تعريف مضلل؛ لأن إسرائيل هي التي تقرر حصص المياه وتقيد حرية الحركة وتكبح الاقتصاد الفلسطيني وتحدد من سيكون في سجل السكان الفلسطيني، وهل ستسمح لمحاضرين من الخارج بالتعليم في الجامعات الفلسطينية، ولمن ستسمح، وما شابه.

من جهة أخرى، يعتبر الفلسطينيون –حسب المقال- “جيراناً” بصورة غير مباشرة. ويأمل هرئيل “أن لا تجد إسرائيل نفسها في حذاء الاتحاد السوفييتي سابقاً، الذي غزا جيرانه في الخمسينيات والستينيات” (هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا). بدون الاستخفاف بقوة التدخل السوفييتي في دول أخرى، فإن عرض الفلسطينيين في جيوبهم كـ “جيران”، وليس كمجموعة سكانية محتلة، هو أمر خاطئ ومضلل، ليس فقط من قبل كُتاب إسرائيليين. فمحمود عباس ورجال آخرون في السلطة الذين يدركون واقع الجيوب إلى درجة رؤيتها كمنطقة تقع تحت سيادتهم، يفشلون في كل مرة، ويعرفون أنفسهم وشعبهم بهذا الشكل، بالنسبة لإسرائيل.

خالد مشعل وصالح العاروري من مواليد الضفة الغربية، ويعيشان في المنفى. هما، كتب هرئيل، “يعتبران سيطرة سريعة على الضفة خطوة حاسمة في تطور منظمة حماس”. مرة أخرى “الضفة”. ماذا – حماس ستسيطر على “بيت إيل” و”معاليه أدوميم” والمسجد الأقصى والمناطق الواقعة خلف جدار الفصل؟ أعضاء حماس في الضفة الغربية يخافون التنافس في الانتخابات ولا ينظمون تجمعات علنية حتى لا تعتقلهم إسرائيل. طلاب يعتقلون كل اثنين وخميس. إذاً، أي سيطرة ستكون، حتى لو أصبحت حماس هي القائمة الأكبر في البرلمان الفلسطيني؟ إذا كان مشعل والعاروري مقطوعين عن الواقع، فهناك مشكلة كبيرة جداً لمنظمتهما.

صحيح أن حماس، كقوة سياسية، تريد أن تزيد قوتها كي تصبح القوة الرائدة في القيادة الفلسطينية العامة. ومن اللحظة التي قررت فيها أن تصبح حكومة، باتت الانتخابات وسيلتها الحيوية للحصول على الشرعية الشعبية. إخفاقات “فتح” محرك منطقي للناخبين لتفضيل حماس، شريطة أن يتجاهلوا الخطوات العقابية التي ستتخذها إسرائيل ضد الجميع بسبب هذا التفضيل. ولكن رفض إسرائيل الحازم للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني على وطنه (حتى حسب برنامج الحد الأدنى لياسر عرفات ومحمود عباس) يدفع الناس لتأييد من يبدو لهم أنه سيواجه الاحتلال الأجنبي بشكل أفضل. النظرة إلى إسرائيل وكأنها ترد على “تهديد حماس” وعلى اعتبارات تصويت الفلسطينيين كأمور مفصولة عن السيطرة المعادية الإسرائيلية، تعتبر استمراراً لإخفاء الواقع.