قرار المحكمة الجنائية الدولية يوم الجمعة الموافق 20 من ديسمبر الجاري بفتح تحقيق في جرائم حرب تم ارتكابها في فلسطين أمر مهم في دلالته السياسية وتوقيته ،إلا أن القرار بداية معركة وليس نهايتها ،الأمر الذي يتطلب تشكيل طواقم قانونية لخوض هذه المعركة لأن الفلسطينيين مقبلون على معركة قانونية شرسة وطويلة المدى مع الاحتلال ومن يدعمه من دول وعلى رأسها واشنطن .
في هذه المعركة أو المواجهة القانونية سيتم إثارة قضايا متعددة ستتذرع إسرائيل بأنها محل خلاف ومنها :مسألة الوضعية القانونية للدولة الفلسطينية ومدى أهليتها للتصرف كدولة ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة ،شرعية المقاومة الفلسطينية المسلحة وهذا يتطلب أن يدافع الفلسطينيون ومن يمثلهم قانونياً عن حق الفلسطينيين بمقاومة الاحتلال بكل أشكال المقاومة بما فيها المسلحة ،كما ستُثار مسألة الولاية الإقليمية للضفة والقدس وغزة ،وهل هي أراضي فلسطينية محتلة كما هو الواقع وكما تنص قرارات الشرعية الدولية ؟أم أراضي متنازع عليها كما تزعم إسرائيل وإدارة ترامب ؟ وفي هذا السياق أيضا سيبرز وضع قطاع غزة إن كان ما زال خاضعاً للاحتلال ؟ أم أن إسرائيل انسحبت منه ولم تعد مسئولة عنه كما تزعم ؟أم تم تحريره كما تزعم بعض فصائل المقاومة ؟ومسألة حق الدفاع عن النفس الذي ستتذرع به إسرائيل لتبرير جرائمها الخ ،وكل هذا يتطلب وحدة الموقف والخطاب الفلسطيني في هذه القضايا ،ونعتقد لو حسمت هذه المسائل حسب وجهة النظر الفلسطينية لكان هذا انجازاً بحد ذاته لا يقل عن انجاز إدانة واعتقال المجرمين الإسرائيليين .
المعركة القانونية ستكون شرسة لأن الأمر يتعلق بدولة إسرائيل المارقة التي لم تلتزم يوماً بقرارات الشرعية الدولية ،وتضع نفسها فوق القانون الدولي والشرعية الدولية ،كما أنه يتعلق بأمريكا وإدارة ترامب التي تقف وراء إسرائيل وتدعمها وهي التي لا تعترف بأن الضفة والقدس أراضي محتلة وهي التي أضفت شرعية على الاستيطان ،وهي التي تعتبر مقاومة الاحتلال إرهاباً ،وأن ما تقوم به إسرائيل من عدوان وإرهاب إنما يندرج في سياق حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها .
لا يوجد في الزمن الراهن شعب في العالم كالشعب الفلسطيني يتعرض لظلم من دولة عضو في الأمم المتحدة ،وقد آن الأوان إن لم يكن لإنهاء الاحتلال فعلى الأقل تسليط الضوء على جرائم الاحتلال وكشف حقيقة دولة إسرائيل الإرهابية .
المحكمة الجنائية الدولية وبالرغم من أنها مشكلة من شخصيات قانونية مشهود لها بالنزاهة ولها قانونها الخاص ودرجة من الاستقلالية ،إلا أن قدرتها على مواجهة التوازنات الدولية وصراع المصالح والنفوذ وما تمارسه واشنطن من ضغوط وابتزاز يبقى محدوداً ، وقد رأينا كيف أصدرت المحكمة أمري اعتقال للرئيس السوداني السابق عمر البشير عام 2009 وعام 2011 ولم يتم الاعتقال حيث استمر رئيساً ويتنقل من بلد لآخر حتى أطاح به الشعب السوداني وخلال هذه الفترة تم ابتزاز البشير بإجباره على الانفصال عن جنوب السودان والتضييق على شخصيات وجماعات متهمة من الغرب بالإرهاب،أما بالنسبة لإدانة واعتقال الزعيم الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش وهو الانجاز الأهم للمحكمة فالأمر يعود لأن هذا الشخص الذي ارتكب بالفعل جرائم حرب في صربيا والبوسنة وكوسوفو دخل في مواجهة مسلحة مع حلف الأطلسي عام 1999 وقد تم القاء القبض عليه من طرق القيادة الصربية الجديدة في مارس 2001 وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا .
نتمنى على كل الفصائل والأحزاب الفلسطينية أن تُدرك أهمية وخطورة ما سيجرى مع المحكمة الجنائية الدولية وعدم الاكتفاء بالتصفيق والحديث عن انتصار ،وأن يقرءوا جيداً صيغة القرار الذي يتحدث عن (مزاعم ) بوجود جرائم مرتكبة من الطرفين ،كما أن حبل المحكمة الجنائية الدولية طويل والأمر قد يستغرق سنوات حتى يتم توجيه اتهام لمرتكبي الجرائم ،وحتى إن تم إدانة قادة الصهاينة فالأمر يحتاج لسنوات أخرى حتى يتم اعتقالهم .
وعلينا أن نتذكر تقارير وقرارات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مثل تقرير جولدستون حول الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في عدوانها على غزة 2014 ،وقبله قرار /توصية محكمة العدل الدولية 2004 حول بناء جدار الفصل ،وكل القرارات والتوصيات الصادرة عن الأمم المتحدة ،فهل ستنجح المحكمة الجنائية الدولية في ما فشلت فيه الأمم المتحدة ؟ نتمنى ذلك .
Ibrahemibrach1@gmail.com
كاتب فلسطيني