أحد أكبر أكاذيب الرئيس الأميركي ترامب أن بلاده أنفقت منذ العام 2001 أكثر من ستة تريليونات دولار على الشرق الأوسط (في بعض الأحيان ادعى بأنها ثمانية تريليونات) دون أن تستفيد من ذلك شيئاً.
قبل أيام نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" تقريراً يستند على معلومات من جامعة براون قالت فيه ان الولايات المتحدة أنفقت في أفغانستان تريليونين من الدولارات منذ العام 2001 الى العام 2019، وقامت في نفس الوقت بتحديد أوجه إنفاق هذا المبلغ وقارنت ما تم صرفه بما تم إنجازه.
الحقائق التي سيتم الحديث عنها أدناه تكشف أكاذيب إدارة ترامب وأن هذه الأموال جميعها ذهبت للأميركيين وان ثمانية عشر عاماً من محاربة حركة طالبان لم تفض إلا الى تعزيز قوتها.
التقرير يقول بأن أميركا خسرت 2400 جندي في أفغانستان وأن 38000 من القوات التابعة للحكومة الأفغانية قتلوا منذ العام 2001.
في الانفاق المالي، يقول التقرير بأن 1.5 تريليون دولار لا يعرف بشكل واضح على ماذا صرفت، لكن البنتاغون قام بإعطاء أرقام خلال الثلاث سنوات الأخيرة تدل على أن هذه النفقات معظمها ذهب للحرب ضد طالبان: للتدريب، المعدات العسكرية، الوقود، والنقل البري والبحري للجنود والمعدات العسكرية.
رغم كل هذا الإنفاق على الحرب التي كان هدفها تدمير "القاعدة" في أفغانستان وإنهاء حكم طالبان، إلا أن "القاعدة" تمددت الى العديد من البلدان بما فيها باكستان، واليمن وسورية، أما طالبان فلا زالت تسيطر على أكثر من نصف أفغانستان.
قبل الحرب يقول التقرير، طالبان نجحت في إنهاء تجارة المخدرات. اليوم نعلم أن الولايات المتحدة صرفت خلال سنوات وجودها في أفغانستان عشرة مليارات دولار لإنهاء هذه التجارة لكن أفغانستان اليوم تصدر للعالم 80% من استهلاكه منها.
يفصل التقرير أكثر ويقول بأن الولايات المتحدة أنفقت 87 مليار دولار على تدريب الجيش الأفغاني، لكن هذا الجيش لا يستطيع الدفاع نفسه ويهرب ثلثه بشكل سنوي من المعارك مع طالبان، ويقوم الأميركيون تبعاً لذلك وبشكل سنوي بتعويض الهاربين من خلال توظيف غيرهم وتدريبهم.
التقرير يوضح بأن الأميركيين لم يقوموا بالصرف مباشرة على تطوير الاقتصاد الأفغاني، لكن هنالك مبلغا يصل الى 24 مليار دولار تم صرفه داخل أفغانستان على ما يسمى بمشاريع لها علاقة بالحرب مثل بناء قواعد عسكرية، مراكز لإيواء الجنود الأفغان، طرقات لحركة الجيش الأميركي، أسواق ومصانع لمشترياته التي لا يستطيع انتظار توريدها من أميركا... الخ. لكن رغم ذلك، لا تزال نسبة البطالة بين الافغان في أماكن سيطرة القوات الأميركية تصل الى أكثر من ربع السكان.
الأهم يقول التقرير أن أفغانستان رغم الوجود الأميركي هي من أكثر دول العالم فساداً. إذا اضفنا لذلك انعدام الأمن، فإن فرص الاستثمار بالطبع معدومة.
التقرير يكشف بأن الولايات المتحدة قدمت 30 مليار دولار لإعادة بناء أفغانستان والى مساعدة اللاجئين والى قوات حفظ السلام، لكن هذه المبالغ خصوصا ما يتعلق منها بالإعمار، ذهبت غالبيتها الى فاسدين.
المفتش العام الأميركي، وهو موظف حكومي، يقول بأن غالبية هذه الأموال فقدت في مشاريع إما أنها نفذت مخالفة للمواصفات وإما أنها لم تنفذ أصلاً. هذا المفتش يقول بأنه وجد على الورق مستشفيات ومدارس قيل بأنها بنيت لكنها حقيقة غير موجودة على الأرض. هذا المفتش وثق ما قيمته 15 مليار دولار بين العام 2007 و 2017 على أنها هدراً: أموال تم فقدها، يعني نصف الأموال التي تم رصدها لإعادة الاعمار ومساعدة اللاجئين وقوات حفظ السلام.
بالطبع يمكن التساؤل وهو مشروع جداً هنا إن كان هذا الفساد أفغانيا فقط أم أنه نفذ مع الأصدقاء الأميركيين. كيف يمكن لمدارس ومستشفيات أن تكون مبنية على أوراق الأميركيين (وعلى الأرض ليست كذلك) إن لم يكن هنالك شركاء أميركيون سمحوا لها بأن تبدو وكأنها مشاريع قد نُفذت فعلاً. وما هو مشروع هنا يمكن سحبه على تجارة المخدرات أيضاً، فكيف تنفق عشرة مليارات دولار على محاربتها بينما تكون النتيجة تحول أفغانستان الى أكبر مصدر عالمي لها بعد أن كانت وفق تقارير الأمم المتحدة العام 1999 خالية منها!
بقيت هنالك حقيقتان يكشفهما التقرير عن حقيقة الأموال المزعومة على الشرق الاوسط: أفغانستان نموذجاً.
الأولى بأن 350 مليار دولار صرفت على معالجة الجنود الأميركيين ومعاقيهم الذين شاركوا في الحرب على العراق العام 2003 وفي أفغانستان العام 2001، وأن أكثر من نصف هذا المبلغ ذهب لمعالجة هؤلاء الذين أصيبوا في أفغانستان.
الثانية أن 500 مليار دولار هي فوائد للبنوك التي استدانت منها الحكومة الأميركية من أجل الاستمرار في الحرب في أفغانستان.
هذه الأرقام بشكل مختصر تقول بأن هنالك جهات أميركية مستفيدة من استمرار الحرب في أفغانستان: شركات السلاح، البنوك، شركات تقوم بأعمال التوريد للجيش، ولا يمكن استبعاد ضباط برتب رفيعة إذا ما أخذنا ما كشف التقرير عنه من فساد.