لماذا يهاجمون المشفى الأمريكي في غزة؟ ماجد الزبدة

الجمعة 13 ديسمبر 2019 05:37 م / بتوقيت القدس +2GMT
لماذا يهاجمون المشفى الأمريكي في غزة؟ ماجد الزبدة



هجوم إعلامي كبير شنته السلطة الفلسطينية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ضد إقامة مشفى ميداني أمريكي شمال غزة ضمن تفاهمات رعتها الأمم المتحدة ومصر وقطر بين المقاومة الفلسطينية ودولة الاحتلال الصهيوني للتخفيف من المعاناة الإنسانية التي يعيشها أهالي غزة، والتي تسبب بها الاحتلال الصهيوني بفعل حصاره المتواصل منذ ثلاثة عشر سنة ضد أهالي غزة، وما فاقم من المعاناة هو العقوبات الجماعية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية ضد غزة منذ مارس 2017م، والتي طالت جميع الفئات المجتمعية حتى أضحت الحالة الاقتصادية والصحية في غزة على شفا الانهيار التام.
ما قالته قيادات فتح في المشفى الميداني لم يقله مالك في الخمر، فهو يسهم في تنفيذ “صفقة القرن” الأمريكية بحسب رئيس حكومة رام الله محمد اشتية، و”يأتي ضمن تحالف الإخوان المسلمين والولايات المتحدة بهدف فصل غزة” بحسب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح جمال محيسن، و”قاعدة عسكرية أمريكية” بحسب بيان مفوضية الاعلام والثقافة التابعة لحركة فتح، و”قلعة عسكرية أمريكية إسرائيلية متقدمة داخل غزة” بحسب مي كيلة وزيرة الصحة في حكومة رام الله، ويأتي “لقتل حل الدولتين” بحسب عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني، و”مشروع أمريكي إسرائيلي يُنفذ بالتعاون مع حماس لإقامة قاعدة أمريكية” بحسب المتحدث باسم حركة فتح أسامة القواسمي، و”يأتي ضمن المخطط الصهيوأمريكي لعزل غزة وإقامة دويلة فيها” بحسب عضو اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة فتح عزام الأحمد، وقائمة التصريحات التصعيدية تطول.
تساؤلات عدة طُرحت عن أسباب هذا الهجوم الفتحاوي المفاجئ، خاصة أنه يأتي في ظل الحديث عن انتخابات تشريعية، وضرورة تهيئة الشارع الفلسطيني لتقبّل الرأي والرأي الآخر في ظل تضاد البرامج السياسية لتياري التسوية الذي تقوده حركة فتح والمقاومة الذي تقوده حركة حماس، وفي رأيي فإن أسباب هذا التصعيد الاعلامي تندرج ضمن أحد السيناريوهات التالية:
أولاً: يأتي الهجوم في إطار تصعيد فتحاوي يهدف إلى إفشال الانتخابات المقبلة، والتهرب من استحقاق إصدار مرسوم رئاسي من عباس يحدد مواعيدها خلال الأشهر المقبلة، ويعزز هذا الرأي التنازلات المفاجئة والكبيرة التي قدمتها حركة حماس لرئيس السلطة الفلسطينية بهدف دفعه إلى إقرار مرسوم رئاسي بمواعيد الانتخابات، وعدم توافق قيادات فتح حول مرشح الحركة لمنصب رئاسة السلطة في الانتخابات المقبلة، وأيضاً الرفض الجماهيري لاستمرار عباس في منصب رئيس السلطة الفلسطينية، فجميع استطلاعات الرأي الأخيرة لا تصب في صالح حركة فتح، فاستطلاع الرأي الذي أجراء المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله في سبتمبر الماضي طالب فيه 61% من الفلسطينيين عباس بالاستقالة، بينما استطلاع الرأي الذي أجراه الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة أمان في رام الله في نوفمبر الماضي أكد فيه 63% أن حجم الفساد في مؤسسات السلطة بما فيها مؤسسة الرئاسة ما زال كبيراً، وأما استطلاع تلفزيون وطن في رام الله والذي أجراه مطلع ديسمبر الجاري أعرب فيه 82% من الفلسطينيين عن قناعتهم بعدم وجود إرادة سياسية جادة في إجراء الانتخابات.
ثانياً: يأتي التصعيد الفتحاوي كدعاية انتخابية مبكرة لتشويه حركة حماس الخصم السياسي اللدود لحركة فتح، ويعزز هذا التواجه الضغوطات التي تواجهها السلطة الفلسطينية من الاتحاد الأوربي بضرورة إجراء الانتخابات كي تستمر المنح الأوربية للسلطة الفلسطينية، وأيضاً استحقاق سبتمبر المقبل والذي سيطلب فيه عباس من الجمعية العامة للأمم المتحدة منح فلسطين العضوية الكاملة، وهذا الاستحقاق بحسب الكاتب الفلسطيني عماد عفانة ينبغي أن ينسجم مع محددات المكتب القانوني في الأمم المتحدة، وأبرزها وجود مجلس تشريعي معترف به، وهو المجلس الذي أعلن عباس حله بقرار من المحكمة الدستورية في ديسمبر 2018م، وربما يدعم هذا السيناريو إعادة حركة فتح تسليط الضوء على أحداث الانقسام عام 2007م وتركيزها الإعلامي مؤخراً على جرحى تلك الأحداث من حركة فتح، وكيل الاتهامات السوداوية ضد حركة حماس رغم مرور ثلاثة عشر عاماً على تلك الأحداث.
ثالثاً: تصعيد عباس يأتي خوفاً من عقدة انتقاص الشرعية، فرئيس السلطة الفلسطينية الذي جاوز الرابعة والثمانين من العمر، ويشغل هذا المنصب منذ أربعة عشر عاماً، يفتقد بحسب استطلاعات الرأي المذكورة أعلاه إلى الحاضنة الشعبية الفلسطينية، كما أن ولايته الدستورية انتهت منذ يناير 2009م، وهو يحظى باعتراف دولي، ويرى أن أي تجاوز لدوره فيما يتعلق بتفاهمات التهدئة حول غزة إنما ينتقص من شرعيته شخصياً، ويعزز هذا السيناريو تصريحات القيادي في حركة فتح عزام الأحمد والتي نشرتها وكالة “وفا” للأنباء حول سبب رفض السلطة للمشفى الأمريكي بأنه “لا يحق لأي أحد أن ينقل شيئا للأرض الفلسطينية دون موافقة القيادة الشرعية، واشتراطه في لقاء عبر تلفزيون فلسطين بأن “تكون المساعدات عبر القيادة الشرعية”، وتصريحات عباس نفسه والتي نشرتها وكالة “صفا” للأنباء بأنه “لن يسمح للمستشفى الأمريكي في قطاع غزة وغيره من المشاريع بأن تمر”.
رابعاً: التصعيد الفتحاوي يأتي في سياق الرفض لأية إجراءات من شأنها أن تخفف الحصار المفروض على غزة، والذي شاركت فيه وبفاعلية السلطة الفلسطينية من خلال عقوباتها الجماعية ضد أهالي غزة، فقد رفضت مسبقاً مشروع ربط غزة بمنظومة الربط الإقليمي بكهرباء مصر، وعرقلت إمداد محطة توليد الكهرباء بخط غاز بدلاً من السولار، وعرقلت ربط كهرباء غزة بخط 161 من دولة الاحتلال، وفرضت ضريبة “البلو” على وقود محطة تشغيل الكهرباء، في إجراءات فاقمت من أزمة الكهرباء في غزة، كما رفضت السلطة المساعدات القطرية لغزة، وشنت هجوماً إعلامياً ضدها، ولم ينتهي ذلك الهجوم إلا بعد أن تبرعت قطر بمبلغ 300 مليون دولار لخزينة السلطة، مقابل سماحها بتنفيذ مشاريع قطرية إنسانية في غزة بقيمة 180مليون دولار، كما حاولت السلطة تعطيل التجارة بين مصر وغزة، وشكلت وفداً وزارياً برئاسة محمد اشتية رئيسة حكومة رام الله والذي فشل في ثني الحكومة المصرية عن الاستمرار في خطوطها التجارية المباشرة مع غزة، كما يعزز هذا السيناريو تصريحات متلفزة سابقة لاشتية تؤكد رفض السلطة لأي “تنفيس لإجراءاتها ضد غزة”، وفيما تصعد السلطة اليوم من تصريحاتها ضد المشفى الأمريكي لا تزال إجراءاها بقطع رواتب الأسرى والمحررين وأهالي الشهداء من غزة سارية المفعول، ولا زالت تعرقل التحويلات الطبية لمرضى غزة ما أدى إلى وفاة العديد منهم بانتظار إقرار التحويلات التي تأتي أحياناً بعد وفاة المريض، ولا زالت تمنع المساعدات الطبية من الوصول إلى غزة، فبحسب المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة عام 2019م هو “الأسوأ” في المساعدات الطبية التي تصل غزة، وأن قيمة ما وصل إلى مستشفيات غزة منذ بداية عام 2019م بلغ 3.2 مليون دولار فقط من أصل 40 مليون استلمتها سلطة رام الله ورفضت تحويلها إلى غزة.
المفارقة العجيبة أن السلطة الفلسطينية التي هاجمت وبشدة بناء مشفى أمريكي شمال غزة، لجأ قادتها إلى المستشفيات الأمريكية لتلقي العلاج وإجراء فحوصات طبية وعمليات جراحية، ومنهم صائب عريقات عام 2017م ومحمود عباس وماجد فرج وجبريل الرجوب عام 2018م، وهذه السلطة التي رفضت مساعدات مؤسسة أمريكية إغاثية لغزة هي ذات السلطة التي تدخّل رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو شخصياً لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسماح باستمرار المساعدات الأمريكية لأجهزتها الأمنية والتي تبلغ 60 مليون دولار سنوياً، وهي ذات السلطة التي سمحت لوكالة التنمية الأمريكية USAID التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية بتدشين مشروعات اغاثية وتنموية في الضفة وغزة بقيمة 268 مليون دولار خلال العام 2017م قبل أن تطلب مطلع فبراير 2018م بإيقافها خشية من تعرضها لأية ملاحقات قانونية أمريكية مع إقرار الكونغرس الأمريكي قانون “مكافحة الإرهاب”، وهذه السلطة التي تخشى إقامة “قاعدة أمريكية استخباراتية شمال غزة” لا تزال “تقيم مع وكالة المخابرات الأمريكية CIA خطاً للاتصالات، بعيداً عن رقابة المؤسسات الوطنية الفلسطينية، بذريعة مكافحة الإرهاب” وذلك بحسب بيان نشرته الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مطلع ديسمبر الجاري.
ختاماً وبكل أسف فإن الأثر الأكبر لرفض حركة فتح والسلطة الفلسطينية إقامة المشفى الأمريكي الذي يوفر علاجا لخمسة عشر نوعا من الأمراض من بينها مرض السرطان، سيطال أكثر من 12 ألف مريض بالسرطان يعيشون حالة من القلق والخوف الدائمين، وتتدهور حالتهم الصحية مع مرور الوقت بحسب تقرير صحفي نشره موقع تي أر تي عربي مطلع سبتمبر الماضي بسبب استمرار نقص الدواء والحرمان من السفر لتلقي العلاج خارج غزة.
– كاتب فلسطيني