في سبع سنين وثائقي من إنتاج الجزيرة. يتحدث عن تحولات شبابية ما بعد ثورة 25 يناير المصرية، وانتقالهم من التدين والالتزام إلى الإلحاد والانفلات، ومنهم من ذهب للتطرف والعمل المسلح العنفي العبثي، الوثائقي فكرته أقوى كثيرا من تطبيقه وتنفيذه، لهذا خرج مملا لم استطع مشاهدته بمتعة وملاحقة، ولم يشبع ما لدي من تساؤلات وملاحظات حول جيل أُحبط في لحظة فارقة، فابتعد عن عمق التحولات الكبرى وبقي بهوامش الشكل السطحي، لم يصدمني أو يشكل عامل إبهار، وخلى من حالات شبابية تستحق التأمل أو دراسة تجاربهم وتحولاتهم، واختفت نماذج النجاح والإبداع ممن كسر القيد وشب عن الطوق، كما بالغ في الدراما والصور والإيحاءات والتشبيهات والموسيقى التصويرية، بل وجدت فتاة ساذجة حد العبط تخلت عن حجابها. وانتقلت من سلفيتها ونقابها بسبب اعتداء غريب عليها "أشكك في صحته" وان حدث فاتعجب من ردة فعلها غير المنطقية، وأخرى مازالت تائهة تبحث عن الله فلم تجده لمواقف سياسية غير مفهومة، وشاب سطحي متأثر بعمرو خالد دون التطرق لعمق فكر عمرو خالد ودوره، وآخر إخواني جلب قليل من التعاطف لما مر به من صواعق نفسية في رابعة وفقدانه أخيه الكبير الذي ترعرع في كنفه وتعلم منه وتاثر به.
في المقابل جاء جانب من جوانب التطرف والخروج للعمل الجهادي المسلح العبثي، وحقيقة لم يقنعني المقاتل واشكك في حقيقة دوره او انه شخصية جهادية لتدني منطقه وضعف حجته، كما ان المذيع اسئلته وطريقته متكلفة جدا تخلو من الحيوية.
اتفق مع فكرة الوثائقي، هناك حالة إلحاد وتطرف تستحق التوقف والدراسة وتسليط الضوء عليها في ظل عالم الميديا المكشوف، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه حتى اللحظة لم تتجاوز الحالة حجمها الطبيعي في أي مجتمع، بل إن موجة التدين وتوسع هذه الدائرة تزداد عن معدلاتها المتوقعة، وأجد الإلتزام الشعبي والانتماء للاسلام أوسع من الحد في ظل منظومة أمنية وسياسية تحارب الالتزام، مع ماكنة اعلامية وثقافية تدفع نحو الانفلات والتحلل والإلحاد، فلا يخلو مجتمع من الأفكار التشككية ولا من التوجهات الفردية والجماعية للادينية او اللا أدرية، او الالحادية، مع نفاق عقائدي وتقلب نفسي وعقدي، فالانسان كائن مضطرب بطبعه متنوع بفكره وتصوراته، لكن السوشيل ميديا بالاضافة للفضاء المفتوح والإعلام الرقمي وسعت من إظهارهم وتسليط الضوء عليهم، وما يظهره اليوتيوب من نشاط الحادي عربي أكثر بكثير واخطر مما عرضته الجزيرة.
مهما كان وضع المسلمين ومستوى ردائة واقعهم وتأخرهم وتراجعهم، فمن الصعوبة توسيع حالة الإلحاد، وذلك لأن قوة الإسلام تتمثل في إشباع الحاجة الروحية والنفسية والعقلية والمجتمعية والبحثية والحسية للإنسان، والاسلام ليس دينا عقائديا فقط بل حالة ثقافية انتمائية تراكمية، ولهذا الاسلام واثق من تحديه منذ اليوم الأول أن الحرية تصب لصالحه، ولا يحتاج للإكراه والإجبار، ويمنع الضغط او تخويف الناس وإكراههم على الدين والتدين، ويمنحهم الحرية الكاملة في الأوقات المختلفة، وكلما اتسعت رقعة الحرية فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر سيزيد عدد المؤمنين.
لا شك شكل التدين يختلف من مكان لمكان ومرحلة لأخرى وزمان عن زمان، والتجارب الإسلامية المعاصرة في الحكم فشلت لأسباب خارجية من جهة، وداخلية ذاتية من جهة أخرى تتمثل في معضلة دمج الموروث مع الحداثة، ونقص الخبرة وسلوك الفرد وتقديم الشكل على المضمون وفجائية النقلة، مما أثرت على حالة التدين سلبا بقدر ما أثرت عليها إيجابا، وفي بعض الدول وضعت حالة التدين على المحك فبقدر ما أقبل الناس أفواجا على التدين بقدر ما تركت فراغا قد يرتد بطريقة معاكسة في لحظة الإنهيار أو الهزيمة او حتى تعثر التجربة، وحاجتنا في الوطن العربي لثورة اجتماعية فكرية شديدة، بقدر ما نحتاج لثورات سياسية علمية اجتهادية تمنح الحرية للشباب وفي هذه اللحظة سنجد أنفسنا امام مفاجاة كبرى.


