في رسالة وجهها الى الجزائريين، أعلن الرئيس بوتفليقة ترشحه للانتخابات الرئاسية "لأجل الاستمرار في أداء الواجب الأسمى".
ترشح الرئيس بوتفليقة لجهة المبدأ، حق دستوري. والنتيجة تقررها صناديق الاقتراع وإن بدت شبه محسومة لصالح فوزه.
في ميزان المرشح الرئيس بوتفليقة الكثير من المفاخر والإنجازات في النضال الوطني الجزائري بمرحلتيه الرئيسيتين:
في مرحلة حرب التحرير، كان فارساً شجاعاً من فرسان جبهة التحرير يحمل السلاح مقاتلاً او كادراً او قيادياً.
وفي مرحلة بناء الدولة، كان الفارس أيضاً: وزير خارجية للرئيس بومدين ومندوبه وممثله والنجم المتألق شباباً وحيوية وحضوراً في سماء النشاطات والفعاليات الإقليمية والقارية والدولية التي كانت في اوج نشاطها وفاعليتها في ذلك الزمن.
مضيفاً فتوته وانطلاقه الى فتوة الجزائر المنتصرة في حرب استقلالها.
وهل يمكن نسيان رئاسته للجمعية العامة للأمم المتحدة حين غمرها بيفاعته وكفاءته المتميزة خلال إلقاء الرئيس الراحل ياسر عرفات خطابه الشهير أمامها العام 1974.
وحين عاد الى موقع المسؤولية في قيادة الدولة وبنائها بعد انقطاع اعقب وفاة الرئيس بومدين، كان هو أيضا الفارس الذي قاد خيار إخراج البلاد من عشرية التسعينات التي عصفت بالبلاد خلالها صراعات سياسية عميقة اتخذت شكلاً دموياً وحصدت حوالي 200 ألف حياة.
حينها اصدر" قانون الوئام المدني" عام 1999 وعفا به عن المسلحين الإسلاميين. ثم قاد مجدداً خيار "المصالحة الوطنية" سنة 2005، وقاد به إدماج مسلحين إسلاميين في المجتمع الجزائري.
وبفضل هذين الخيارين التاريخيين وغيرهما، استتب للجزائر الأمن والاستقرار وساد السلم الاجتماعي ودخلت البلاد في طور النهوض الاقتصادي وتأمين الخدمات الاجتماعية الاساسية لجمهور المواطنين.
وقد اشار الرئيس الى ذلك في رسالة قبوله الترشح "كرست كل طاقاتي لاخماد نار الفتنة واستعادة الامن ولملمة الشتات من جديد لأمة جريحة جراء المأساة الوطنية".
لكن الحقيقة الواقعية الآن، تقول بوجود موانع منطقية لعدم قبوله الترشح :
أنه أمضى في الحكم أربع دورات رئاسية متتالية امتدت لعشرين عاماً، وانه وصل الى 81 سنة من العمر.
وأنه أيضاً، مريض. فقد تعرض لجلطة دماغية في 2013 أقعدته على كرسي متحرك، أضعفت قدراته ونشاطاته، وأوقفت نشاطه الخارجي كلياً.
وهو اعترف للجزائريين بهذه الحقيقة في رسالة قبوله الترشح "لم اعد بنفس القوة البدنية التي كنت عليها..." لكنه أضاف مؤكداً "أن الإرادة الراسخة لخدمة وطني لم تغادرني قط".
مناضل ثوري وقائد ورجل دولة وطني بكل ما في ميزانه من المفاخر والإنجازات، هل يجوز ان يدفع للوقوف في موقع تساؤل وجدل مجتمعي خلافي، يستغرب او يستنكر فيه البعض، مهما قل او كثر، بل ويرفض فكرة - مجرد فكرة- ترشحه لولاية رئاسية خامسة وهو في هذا العمر، وعلى هذه الحال من المرض؟
هل يجوز بأي حال تعريضه لتظاهرات ترفض ترشحه، مهما كان حجمها، في اكثر من منطقة ومدينة جزائرية حتى وصلت الى الجامعات، ووصلت الى تمزيق صوره على ملصقات حملته الانتخابية في بعض المواقع؟
صعب التصديق ان الرئيس بوتفليقة وافق على الترشح لرئاسة خامسة باختياره المتحرر من اي تأثير وربما ضغط، فالرجل أرفع من ذلك بكثير.
أغلب الظن انه استجاب، بعد ممانعة وتردد، لمنطق ومبررات وضرورات المطالبات المصرّة على ترشحه من إخوان ورفاق ومساعدين في الحلقة المحيطة به من أهل الحكم الحاليين، ومنهم العسكريون، وأولهم أهل حزبه الحاكم.
وان المطالبات المصرة قدمت له بمنطلق وبدوافع الحرص على مصالح الجزائر الوطنية وأمنها واستقرارها وسلامها المجتمعي وتطورها ودورها ومستقبلها و....
واغلب الظن، أن هذه الحلقة لم تنجز خلال ولايته الرابعة بالقدر المناسب تهيئة أمورها وأوضاعها ولم تستكمل مستلزمات وترتيبات وشخوص خلافته، بما يؤمن لها الاستمرار في موقع الحكم والرئاسة. ولم تنجز بالأخص، الاتفاق على خليفه له يحظى بإجماعها أولاً، ويمتلك درجة عالية من مواصفات الكفاءة والتجربة والحضور المقبول ليكون مرشحها القوي، وربما المضمون، لخوض الانتخابات الرئاسية. وهي لذلك، وجدت نفسها بحاجة لولاية خامسة للرئيس تستكمل خلالها ترتيب أمورها وتنجز ما لم تنته من إنجازه خلال الولاية الرابع.
في رسالته عن قبول الترشح فتح الرئيس بوتفليقة الباب أمام إحداث تغييرات تبدو متجاوبة مع الترتيبات المطلوبة، فقد تعهد "بعقد ندوة وطنية ستكرس لتحقيق التوافق الوطني حول الإصلاحات والتحولات التي ينبغي ان تباشرها بلادنا بغرض المضي أبعد من ذي قبل في بناء مصيرها." وهذا يعني إمكانية تعديل الدستور، وربما أيضا إصدار مراسيم بترتيبات معينة في أجهزة الحكم وصلاحياتها والعلاقات فيما بينها. وبشكل خاص تعيين نائب للرئيس يحيل اليه من صلاحياته ما يتناسب مع تطور وضعه الصحي وقدرته على القيام بواجباته، ويخلفه بالحكم في حالة وفاته او يكون المرشح الجاهز لخلافته في دورة الانتخابات التالية.
قوى المعارضة الجزائرية لا تبدو في حال افضل، فهي في حال من الاختلاف والتشرذم والضعف، وقد ظهر ذلك بجلاء في عدم قدرتها على الاتفاق على مرشح رئاسي واحد، ولا حتى على مرشح لعدد وازن منها يمتلك فرصة للنجاح.
وكأن الجزائر تخلو من فارس قادر على خوض سبق الانتخابات الا الرئيس بوتفليقة.
شخص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المواطن المخلص والمناضل الثائر الشجاع ورجل الدولة القادر والمعطاء في كل مواقعه، يجب الحرص على بقائه قيمة وطنية عليا. ولا يجوز، أن يدفع الى مواقع الجدل الخلافي المجتمعي كما يحصل في هذه الانتخابات.


