المدخل الذي اختاره بنيامين نتنياهو ليشكل رافعته الانتخابية، ربما يكون هو نفسه معبر خروجه من الحكم بعد أن ظل واحداً من أهم رؤساء الحكومات الإسرائيلية، وأحد أهم رجالات السياسة الإسرائيلية منذ أن دخلها من الباب الواسع عام 1996 وحتى هذا العام، ونقصد بذلك ملف التطبيع مع دول الخليج العربي، باستثناء الكويت، وبعض الدول الأفريقية، وهذا ما يمكن أن تؤكده جولة وفد صفقة القرن في دول الخليج الخمس، في محاولة لتسويق تلك الصفقة وتغليفها بالغلاف الاقتصادي، فيكون نتنياهو مثل ميخائيل غورباتشوف أو حتى مثل جورج بوش الأب، الذي دشن انتهاء الحرب الباردة وذهب لانتخابات العام 1992 الأميركية وهو يظن بأن إعلانه للولايات المتحدة قائدا وحيدا للعالم سيكون سلاحه للفوز بتلك الانتخابات وكانت النتيجة أنه خسرها أمام مرشح من الحزب الديمقراطي كان مغمورا حتى ذلك العام.
وفي الحقيقة فإن المتغيرات الإقليمية خلال العام الماضي والتي شهدت بالتحديد انتصار النظام السوري وحلفائه أحدثت تحولا لا شك أن تفاعلاته ستظهر جلية على مجمل الإقليم خلال هذا العام وفي السنوات القادمة، حيث سيعود على الأغلب محور المقاومة الإقليمي أو محور الممانعة إلى التأثير، الذي كان قد اقتصر على دول الخليج بعد انشغال الدول العربية المركزية في المنطقة ( العراق_سورية_مصر ) في معركة ما سمي بالربيع العربي، حتى أن الجدل قد امتد منذ عدة شهور حول ليس عودة النظام السوري للجامعة العربية، بل متى سيعود، قبل القمة آخر هذا الشهر أم بعدها، كذلك فإنه مع عودة سورية لم يعد الحديث عن محور يضمها مع إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية وحسب، بل يضم أيضا روسيا، التي تقترب من الدخول في أكثر من ملف في الشرق الأوسط .
لذا فإن «مراهنة» نتنياهو على دول الخليج العربي كشريك إقليمي لم تعد تحقق الثقة للناخب الإسرائيلي، الذي من الطبيعي أنه قد تعززت في صفوفه نزعة اليمين، لدرجة أن يتحول اليمين باتجاه التطرف باستناده خلال دورتين انتخابيتين سابقتين للمستوطنين ممثلين بحزب البيت اليهودي، الذي يدخل هذه المرة الانتخابات بقائمتين: واحدة يمثلها تحالف الحزب مع «العظمة اليهودية» إلى جانب اليمين الجديد، لكنه في الوقت نفسه، لاحظ الضعف الأمني لتلك الحكومات، التي شغل فيها منصب وزير الدفاع أكثر من مرة رجل سياسي وليس أمنياً.
وإذا ما فازت قائمة «أزرق_أبيض» الأمنية، فإن ذلك سيعني بأن الناخب الإسرائيلي بإسقاطه لليمين لم يختر اليسار بديلاً، لكنه اختار الأمن لمواجهة التحدي الذي يلوح في الأفق على أكثر من جبهة، إن كانت تلك التي في الجنوب، أو تلك التي في الشمال، والأهم مواجهة جدار الصد الإسلامي ممثلا بإيران أولا وبتركيا بدرجة أقل، بعد أن أزاح من طريقه التحدي العربي، بإضعاف جدار الصد ممثلا بمثلث القوة العربي التقليدي كما اشرنا أعلاه، ممثلا بمصر والعراق وسورية.
وبعد أن حقق اليمين الإسرائيلي الانجاز بإغلاق بوابات أوسلو، واختراق الجدار العربي الثاني، الذي كان يدعم الجانب الفلسطيني سياسيا وماليا، نقصد به الخليج العربي، وصولا إلى موقف أميركي غير مسبوق بانحيازه ليس لإسرائيل بل لاحتلالها، ممثلا بصفقة القرن، فإن تنفيذ الصفقة نفسه، بحاجة إلى تثبيت الجانب الأمني من جهة، ومن جهة ثانية، إلى جزرة تقدم للجانب الفلسطيني، لذا يكون في إبعاد اليمين المتطرف الذي ما عاد الليكود ولا اليمين التقليدي قادراً على تشكيل الحكومة دونه، ربما مصلحة أميركية حتى في تنفيذ تلك الصفقة، وهذا يفسر رد فعل اللوبي اليهودي الأميركي أولا ثم جيسون غرينبلات عرّاب صفقة القرن على ما أقامه نتنياهو من تحالف مع اليمين المتطرف، لدرجة إدخال التطرف العنصري ممثلا بالقوة اليهودية والتي هي امتداد لحركة كاخ الخارجة عن القانون الإسرائيلي نفسه لدائرة الانتخابات والترتيب لأن تكون شريكاً له في الحكم.
ما الذي يمكن أن يفعله الليكود ونتنياهو في اللحظة الأخيرة للتأثير على عملية الاقتراع يوم التاسع من نيسان القادم، هذا هو السؤال الذي يطل برأسه اليوم، وفي معرض الإجابة قد يكون العمل بنصيحة نفتالي بينيت، أي بضم موشيه كحلون لتحالف اليمين _ اليمين المتطرف، لكن حدود اللعبة ربما لا تقتصر على الإجراءات السياسية، إذا ما تم توجيه لائحة اتهام قضائي من ضمن قرارات المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية.
وإن حصل ذلك، فإن الحبل يكون قد اشتد حول رقبة نتنياهو، وربما يجد الليكود نفسه مضطراً إلى استبداله عشية يوم الاقتراع، أو التسليم بالهزيمة الانتخابية التي باتت تلوح في الأفق، ليس لصالح اليسار الإسرائيلي، بل لصالح قوة سياسية_أمنية جديدة.
وفي كل الأحوال وبغض النظر ومع الأخذ بعين الاعتبار بصورة القوائم الانتخابية واستطلاعات الرأي اليوم، فإن المهم هو اليوم التالي لإعلان النتائج، حيث قد تضطر القائمة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد في الكنيست الحادي والعشرين، للنجاح في تشكيل الحكومة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، حتى تتجنب قائمة «أزرق_أبيض» الاعتماد على شبكة أمان عربية، أو قائمة الليكود إلى الاعتماد على كتل اليمين المتطرف والعنصري.
إذاً فإن إسرائيل بمزاج انتخابي اليوم يجمع بين اليمين السياسي والأمن العسكري، حتى تتحقق الثقة لدى الإسرائيليين، بعد أن بات واضحا بأن السلام لم يعد في الأفق وحتى أن فرض الاستسلام على الجانب الفلسطيني لن يحقق الأمن، ولا حتى إقامة «ناتو عربي_إسرائيلي»، ومثل هذا التحالف الداخلي يبقي على السيطرة الإسرائيلية على أرض دولة فلسطين، ويعزز الجبهة الخارجية في مواجهة تحديات المقاومة الفلسطينية والإقليمية، لكن كل هذا منوط بما ستتمخض عنه نتيجة الانتخابات أولاً من فوز إحدى القائمتين: الليكود أو «أزرق_ابيض» وثانياً بما ستظفر به القوائم والكتل الانتخابية الأخرى.


