إنهم يتسولون...سما حسن

الخميس 28 فبراير 2019 01:11 م / بتوقيت القدس +2GMT
إنهم يتسولون...سما حسن



في أكثر ميادين غزة ازدحاماً أطل وجهها من نافذة السيارة، والسيارة التي كنت أستقلها هي سيارة أجرة بالطبع، وتحمل ركاباً من أصناف متباينة، فلكل وجهته وشخصيته، ولكننا جميعاً التفتنا صوب وجهها الحزين وجمالها الهادئ، واستحيائها وهي تحاول أن تستدر عطفنا أمام يدها الممدودة.
  كنا ننظر بعين الشفقة والاستنكار والخوف والتساؤل، فالفتاة في حدود الرابعة عشرة من عمرها، وتبدو كأنها قد وقفت في ذلك المكان مؤخرا، فهي تتلفت بخوف من السيارات، ويبدو أنها لم تعتد القفز بينها ولا اجتياز إشارات المرور الخطرة، ولا الزحام، وكأنها تخرج إلى الحياة بعد أن أمضت في الكهف طويلاً، ويبدو أن الكهف قد لفظها بسبب الحاجة، ويبدو أيضا أنها أول من كانت تقبع ببابه وتمد ساقيها خارجه فلفظها الكهف سريعاً إلى الشارع.
 هي لا تدري ما الشارع، ما معنى الحاجة ومد اليد في الشارع المزدحم بأجناس البشر، لا تعرف ما الذي ينتظرها ويتربص بها ولها، واي عواقب سوف تجنيها لأنها أصبحت هناك، على تلك الناصية حين يمر ضعاف النفوس وأقوياؤها، وحين يمشي المتعفف في نظرته وصاحب النظرة التي تقتحم الجلد وتنفذ إلى العظم وتشقق جدران الروح.
 هي لا تعلم أنها أصبحت صيداً سهلاً، وطريدة سائغة للشارع، فلا أحد يتوقف وينظر إليها، ولكنها ستقع، ذات لحظة ستقع حين يهمس في اذنها أحدهم بكلمة وتتبعه، وحين يفتح باب سيارة فارهة أو مسروقة فتقفز بداخلها وتفقد كل شيء، وبعد ذلك سوف تعتاد كل شيء.
 هي لا تدرك أنها أصبحت تتسول، وبأن من حولها لن يرحموا براءتها، وبأن يلقي في كفها المبسوطة المكورة بانتظار الدراهم ببضع قطع نقدية صغيرة ربما طلب منها ثمنا أكبر، وبأنها سوف تعتاد مبدأ الأخذ والعطاء حين يشح كل الناس ويبدؤون في ازدرائها واستنكار وقفتها، أو حتى بعد أن يعتادوا وقفتها ويهمسون لأنفسهم بأن ما تمارسه من قبيل الصنعة، وربما هي أكثر ثراء منهم.
عندما رأيتها تذكرت على الفور قصة قصيرة للراحل الروائي احسان عبد القدوس والتي طرح فيها عقدة نفسية لدى أحدهم بحيث كان يلتقط الفتيات من إشارات المرور من المتسولات وبائعات عقود الفل، ويأخذهن بسيارته إلى بيته ويقوم بنفسه بتنظيف أجسادهن القذرة ثم يعتدي عليهن ويتركهن ليبحث عن ضحية أخرى، وهكذا وبمجرد أن رأيت هذه الفتاة تذكرت هذه القصة والتي وقعت فعلا بعد ان كتبها عبد القدوس في ثمانينيات القرن الماضي، ويبدو أن خيال الكاتب ما هو إلا نظرة  ليست ذات بعد عن الواقع.
ظاهرة التسول تنتشر وتزداد والباعة الصغار هم في الواقع متسولون يحملون بضائع رخيصة ثم يمدونها بالحاح مع كثير من الدعوات لكي تأخذها، والحقيقة فالبائع الصغير يريد منك أن تأخذ بضاعته ثم تردها إليه مع ثمنها، وهكذا يكون لونا من ألوان التسول، ولا يجب أن نشعر بالشفقة على هؤلاء فخلف كل متسول هناك من يدفعه ويعتاش على دمه مهما ساق من أسباب وذرائع.
الشارع لا يرحم، لن يرحم البنت ولن يرحم الولد، وأولاد الشوارع في تكاثر نتيجة لسوء الوضع الاقتصادي الذي تعيشه غزة خصوصا، ونلمحه في كل المجتمعات حين يطل الفقر وتتخلى الحكومات عن واجبها نحو المواطن، ويكثر الفقراء من الأولاد تحت ذريعة أن الخلفة عزوة، وبأن الأولاد سوف يبحث كل واحد عن رزقه، بمجرد أن يتخلص من حفاضه.
عندما كنا ننظر نفس النظرة لتلك الفتاة، علقت راكبة إلى جواري وهي تهمس: تباً لأهلها، ألا يعرفون ما ينتظرها في الشارع؟، فردت عليها رفيقتها: الا تعرفين المتسولة التي تجلس أمام (..) منذ سنوات وحملت وولدت ابنتها في الشارع، وها هي ابنتها أصبحت تسابقها إلى الناس وتتسول بطفولتها، فتلتقط منهم المال كما يفعل قرد صغير حين يلتقط الموز والفستق من أيدى المتفرجين في حديقة الحيوان؟!