على هامش الثورة الإيرانية .. علي شريعتي منظر الثورة..عبير بشير

الثلاثاء 26 فبراير 2019 03:43 م / بتوقيت القدس +2GMT
على هامش الثورة الإيرانية .. علي شريعتي منظر الثورة..عبير بشير



حين اندلعت المظاهرات ضد شاه إيران في 1977، كان تأثير اليساري الإسلامي والمفكر علي شريعتي على الشعارات واللفتات التي رفعها الثوار لا تخطئه العين: "الإسلام يمثِّل سكان الأحياء الفقيرة لا القصور، والإسلام ليس أفيون الجماهير، والفقراء يموتون لأجل الثورة، والأغنياء يتآمرون ضدها، ويا مضطهدي العالم اتحدوا" ....
حمل المتظاهرون الإيرانيون صورتين واحدة للخميني والثانية لـشريعتي، وبرز شريعتي، خلال الثورة، بوصفه الشخصية الأكثر شهرة وشعبية في إيران، وانتشرت الأشرطة التي سجلت عليها محاضراته على نطاق واسع، وكانت آراؤه أكثر شيوعاً وانتشاراً من آراء الخميني. من هنا، يمكن أن نطلق على شريعتي لقب المنظّر الأيديولوجي للثورة الإسلامية. وبينما اعتبر الخميني ولاية الفقيه فريضة دينية تخلص الشعب من شرور الشاه، كان شريعتي يدعو إلى إسلام لامركزي يتجاوز سلطة رجال الدين ويحرر المؤمن من سلطة الوسيط بينه وبين ربه.
وكما يجادل إرفاند أبراهاميان، أحد أشهر مؤرخي الثورة الإيرانية، فإن الإسلام الشيعي بالنسبة لشريعتي كان عقيدة ثورية تقاوم كافة أشكال الاضطهاد والإقطاع والرأسمالية والإمبريالية، كما يقول شريعتي في كتبه: بعث الله الرسول محمد ليس فقط لإرساء دين جديد، لكن لتأسيس يوتوبيا بلا طبقات".
ويرى إبراهاميان، أنه لم يكن هناك علي شريعتي واحد، بل ثلاثة أشخاص منفصلين بهذا الاسم. فهناك، شريعتي عالم الاجتماع، المهتم بالعلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة، وبين الأفكار والقوى الاجتماعية، وبين الوعي والوجود الإنساني. وشريعتي هذا ملتزم بفهم نشوء الحركات الثورية، ولا سيما الدينية منها.
وهناك شريعتي الشيعي المؤمن الذي تقوم دعوته على تنقية المذهب الشيعي من الخرافات والضلالة. أما شريعتي الثالث فهو الخطيب العام الذي كان عليه أن يزن كلامه بكل عناية، لأن عيون البوليس السري لنظام الشاه كانت تطارده ليس بوصفه "ماركسياً إسلامياً" فحسب، بل كذلك لأن كبار العلماء كانوا، غريزيا يتوجسون من كل شخص من عامة الناس يحاول أن ينتهك حرمة المجال الذي يعتبرونه وقفا عليهم ويعيد تأويله. 
ولد علي شريعتي العام ١٩٣٣ في قرية على مقربة من مشهد. وكان والده محمد تقي شريعتي من رجال الدين الإصلاحيين، ولأنه كان من دعاة الإصلاح، فقد اتهمه علماء الشيعة المحافظون بأنه سني، أو بهائي، أو حتى وهابي. وفي الأربعينيات من القرن الماضي، انضم هو ووالده إلى جماعة صغيرة تسمى "حركة عباد الله الاشتراكيين"، وكانت تلك الحركة مهمة من الوجهة الفكرية لا السياسية، فقد كانت تمثل المحاولة الأولى في إيران للتوليف بين المذهب الشيعي والاشتراكية الأوروبية.
التحق شريعتي بجامعة مشهد حيث حصل على شهادة الماجستير في اللغات الأجنبية. ونال بعد ذلك منحة من الدولة لدراسة الدكتوراه في علم الاجتماع والتاريخ الإسلامي في جامعة السوربون في باريس، وهناك قرأ بنهم شديد أعمال المفكرين جان بول سارتر، وفرانتز فانون، وتشي غيفارا، وقام شريعتي بترجمة كتاب تشي غيفارا "حرب العصابات"، وكتاب سارتر "ما هو الشعر".
عاد شريعتي إلى إيران العام ١٩٦٥. وحرم من الانضمام إلى هيئة التدريس في جامعة طهران، وفي العام ١٩٦٧ استطاع الانتقال إلى طهران وعمل محاضراً في - حسينية إرشاد - وكانت السنوات الخمس التي قضاها في الحسينية هي الأكثر إنتاجاً في حياته، وقد طُبعت محاضراته في نحو خمسين كتيباً، كما وزعت في أشرطة مسجلة على نطاق واسع وقوبلت بحماسة شديدة، ولا سيما في أوساط الطلاب في المرحلة الثانوية. 
بعد ذلك، أغلقت الحسينية، واعتقل شريعتي وأودع السجن بعد اتهامه بالدعوة إلى  "ماركسية إسلامية" وبقي خلف القضبان حتى العام 1975، عندما أفلحت العرائض والضغوط والمطالبات من المثقفين في باريس ومن الحكومة الجزائرية في إطلاق سراحه. 
يرى شريعتي بان بلدان العالم الثالث، مثل إيران، في حاجة إلى ثورتين مترابطتين ومتزامنتين في آن معا: ثورة وطنية تقضي على جميع أشكال السيطرة الإمبريالية وتعيد إحياء الثقافة، والتراث، والهوية الوطنية. وثورة اجتماعية تقضي على جميع أشكال الاستغلال، وتستأصل الفقر والرأسمالية، وتحدث الاقتصاد، والأهم من ذلك كله تمهد لإقامة مجتمع عادل، وديناميكي، ولا طبقي. ووفقاً لما يراه شريعتي، فإن مهمة تنفيذ هاتين الثورتين تقع على عاتق فئة المثقفين "الإنتلجنسيا" التي تستطيع فهم التناقضات الداخلية للمجتمع، وخصوصا التناقضات الطبقية، وإبراز هذه التناقضات.
وركز شريعتي في محاضراته على هدفين اعتبرهما من الأعداء الذين ينبغي التصدي لهم على نحو مباشر. الأول هو "الماركسية المبتذلة" ولا سيما في نسختها الستالينية التي كان الجيل السابق من المثقفين الإيرانيين قد تقبلها على عيوبها. أما الثاني فكان الإسلام المحافظ، ولا سيما نسخته الملالية التي روجت لها وكرستها الطبقات الحاكمة لما يزيد على إثني عشر قرنا لتخدير الجماهير تحت ستار الدين. فقد اتهم علي شريعتي "العلماء الشيعة" بأنهم قد غدوا جزءاً لا يتجزأ من الطبقة الحاكمة، وبأنهم مأْسسوا المذهب الشيعي الثوري وخانوا بالتالي أهدافه الأصلية، وشجب مطالبتهم لأتباعهم بالطاعة العمياء، وممارستهم احتكار النصوص الدينية. ويرى شريعتي أن رجال الدين يرفضون التطلع إلى الأمام ويستعيضون عن ذلك بعصر مجيد أسطوري مضى وانقضى، وأنهم يعاملون النصوص الدينية كأحجار عتيقة، لا كمنابع لاستلهام نظرة عالمية ثورية دينامية. وقد فشلوا، في تقديره، في فهم المعنى الحقيقي لمصطلحات حيوية مثل الأمة، وأرغموا المثقفين المسلمين على البحث عن الحقيقة في أعمال المستشرقين الأوروبيين.
ومن الواضح أن منطق الحجج التي ساقها شريعتي شكلت تهديدا كليا لشرعية رجال الدين، لأنه بنظر شريعتي فإن الإسلام الثوري هو وحده الإسلام الحقيقي، وإن الإسلام السكولاستي التقليدي هو إسلام مزيف. وإذا كانت الأفعال لا مظاهر التقوى والورع هي الدليل المؤكد على الإيمان الحقيقي، فإن الثوريين ــ وحتى غير المتعلمين منهم ــ هم أكثر إسلاما من العلماء المتعلمين المتدينين.
لم ير شريعتي تناقضا بين كونه مسلما مؤمنا، وكونه اشتراكيا، وبأن الإسلام الذي يرغب شريعتي العودة إليه هو إسلام تقدمي واحتجاجي، وبأنه كرس حياته لمهمة إدماج الاشتراكية مع المبادئ التقدمية الموجودة في المذهب الشيعي.
ويكاد شريعتي يتميز عن بقية الشيعة بنقده الشديد للدولة الصفوية التي نشرت التشيع في إيران بالقوة في بدايات القرن العاشر الهجري، ودعوته إلى إزالة ما أضافته على التشيع من أفكار ضالة ومتطرفة. ويرى شريعتي من منطلق فكره الماركسي الثوري، أن الصفويين أساؤوا إلى التشيع إساءة بالغة وتآمروا عليه عندما حوّلوه من مذهب ثوري معارض يرفض الظلم والخنوع إلى مذهب رسمي يحظى بأقصى درجات دعم الدولة والحاكم.
وربما نستطيع أن نتلمس ملامح شخصية علي شريعتي من خلال ما قال عن فترة ذهابه إلى فرنسا للدراسة هناك: "من بين فجوة من جدار الجامعة يقفز إلى خارجها، وفجأة يجد نفسه في قافلة تحمل أولاد الأشراف وزبدة البرجوازية الجديدة في المدينة إلى مراكز الحضارة والثقافة والقوة والثروة والصناعة واللهو في العالم".
هذه اللغة الأدبية، المجدولة بين التحليل الطبقي والحس الشعبي والإيمان الديني، ستكون دائماً أداة شريعتي في قراءة العالم، وهي تعود هنا إلى مرحلة التداخل بين العلمانيين الإيرانيين والدينيين، في ذلك الغبش الذي يسبق الافتراق بينهما، والذي يحضر لعملية التغيير الثورية لنظام الشاه.