ناقوس التطبيع ،،، د. بلال ياسين

الأحد 27 يناير 2019 10:14 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ناقوس التطبيع ،،، د. بلال ياسين



التحالف مع (إسرائيل)، وتوطيد العلاقات مع مؤسساتها، وتغيير مفهوم العداء الذي دام أكثر من سبعين سنة تجاهها، وضرورة إعادة النظر في تعريف الكيان الإسرائيلي في المنطقة العربية، والتخلص من مخدر شعارات القومية العربية التي تدعو إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، والتشكيك في عنصرية (إسرائيل) وإرهابها، ودعوة الشعوب العربية وأنظمتها الحاكمة إلى إعادة ترتيب أولوياتها التي تهتم بالخطر الاستراتيجي على مصالحها المختلفة، جميع ما سبق سمفونية شيطانية بدأ بعض الكتاب والباحثين بالعزف على أوتارها من أجل بلورة تحالف (عربي) (إسرائيلي) ضد الخطر الإيراني الذي سيضرب المنطقة كما يقولون.        

        لا أُريد الخوض في سياسات إيران وسلوكها في المنطقة العربية؛ لأنَّ ذلك سيُشتت الفكرة التي نُناقشها، وسيخلط أوراق المنطقة كما تُريد إسرائيل، وسيحقق أماني الذين يضربون التاريخ عرض الحائط، وكأنَّ (إسرائيل) لم تعد خطراً استراتيجياً على الدول العربية ومصالحها المختلفة، ولم تعد المليشيات الصهيونية التي اغتصبت أرض فلسطين عنوة إرهابية، ولم تقتل آلافاً من الشعب الفلسطيني والعربي، ولم تُهجر ملايين اللاجئين، ولم تعتقل أكثر من سبعة آلاف فلسطيني وعربي في سجونها، ولم تعبث في أمن الدول العربية ومصالحها المختلفة، لقد عبثت في السودان فكانت سبباً في تقسيمها، وتدخلت في أزمة حوض النيل (والتي تأخذ أشكالا متعددة، من بينها تقديم الدعم الفني والاقتصادي لدول الحوض، أو التدخل من خلال أدوات الدبلوماسية السرية والعمل الاستخباري) من بين أبرز الإشكاليات المتعلقة بقضايا الأمن القومي المصري، وتسلطت على العراق، فأقنعت أمريكا على الاعتداء عليها، فقتلت علمائها، وشردت أهلها، ودمرت مستقبل شبابها، ثمة حقيقة تتعلق ب(إسرائيل) إذ أنها تُشكل أكبر مستوطنة في الشرق الأوسط، تحفظ مصالح الدول الغربية؟ وذلك حسب النظرية الميكافيلية في حكم البلاد، وطرق السيطرة عليها، والتي أكدت على ضرورة زرع مستوطنات داخل الدول والمدن التي يتم احتلالها والتغلب عليها؛ حفاظاً على بقائها تحت حكم الطاعة والولاء، واستغلالاً لخيراتها الوفيرة، ومقدراتها المهدورة، من خلال إثارة المشكلات الفرعية، التي تُفضي على أهلها مزيداً من الجهل والتفكك والاقتتال، وهذا ما ساقته رياح الإدارة الأمريكية في تقسيم الوطن العربي من خلال الفوضى الخلاقة التي أطلقتها وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، وما الذي يحدث في سوريا وليبيا والعراق واليمن إلا تفتيتاً للقوة العربية التي تُبقي (إسرائيل) القوة الرادعة، والوجه الديمقراطي في الوطن العربي. 

        إنَّ مشهد حشد الطاقات العربية من أجل مواجهة (إيران) كخطر استراتيجي على المصالح العربية، يُشبه المشهد العربي والإسلامي في ثمانينيات القرن العشرين، حيث استغلت الولايات المتحدة الأمريكية الطاقات الإسلامية من أجل ضرب الاتحاد السوفيتيي في أفغانستان، فشجعت الشباب المتحمس للجهاد، وسخرت منابر المسلمين في السعودية والدول الأخرى للتجنيد والقتال، وسهلت سفر المقاتلين بأدواتهم القتالية، وقدمت الدعم المالي والعسكري والفني للمقاتلين على أرض أفغانستان، لعلك تبحث عن وجه الشبه الذي قصدناه في هذا المثال، إنك لن تُخطئ الوجهة عندما تعلم أنَّ حرف البوصلة عن فلسطين المحتلة، وحرق الطاقات الإسلامية في اتجاه آخر، مكن (إسرائيل) من التمدد بغطرسة اللئيم، وحقد المتكبر، وهذا ما يردونه اليوم، ف(إسرائيل) في هذه المرحلة تُسابق الريح من أجل غرس قدمها بقوة في الوطن العربي بشكلٍ علني، ولا يخفى عليك أنَّ الأزمات التي تمر بها الدول العربية، والمظلة الدولية الأمريكية المنحازة بشكلٍ كامل ل(إسرائيل)، والانقسام الفلسطيني الداخلي، عوامل رئيسة في السعي لتحقيق ذلك.

        للأسف إنَّ التطبيع مع الاحتلال الصهيوني يطرق أقلام المتثاقفين وأفواههم المسمومة بصورة أقبح من ذي قبل، إذ يزعمون أنّ الخطر الإيراني أكبر من غيره، وأنّ على العرب التحالف مع دولة (إسرائيل) ضد (إيران)، كما أنهم يُطالبون الأمة بإعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل الديمقراطية، إنهم يسوقون الاحتلال والتحالف معه من أجل صد مخاطر (إيران)، بعيداً عن اختلافنا أو اتفاقنا لسياسات (إيران) في المنطقة، يجب علينا ألا نفقد مقاومتنا تجاه العدو الأساس وهي (إسرائيل).