الناصرة ـ كتب وديع عواودة- يؤكد رئيس كتلة التجمع الوطني الديمقراطي في الكنيست الاسرائيلي د. جمال زحالقة في حديث لـ «القدس العربي» اللندنية، أنه حان الوقت لحل السلطة الفلسطينية بعدما باتت عائقا أمام الدولة. ويؤكد أن فلسطينيي الداخل اليوم يتعرضون لهجمة غير مسبوقة دوافعها مختلفة بعضها غير معلن.
ويرى زحالقة وهو حائز على الدكتوراه في الصيدلة أن إسرائيل تحتجز جثامين المقدسيين لعدة عوامل منها أنها تعتبر القدس جزءا منها والمقاومة الشعبية فيها للاحتلال بنظرها أعمال شغب جنائية. كما يوضح زحالقة أن احتجاز الجثامين والانتقام من العائلات يعكس رغبة إسرائيلية بخلق نوع من الردع علاوة على خشيتها من تحول تشييعها لمظاهرات ضد الاحتلال. يشار أن سلطات الاحتلال تحتجز داخل ثلاجات جثامين الشهداء المقدسيين منذ نحو أربعة شهور وتشترط تسليمها بدفن بعضها خارج المدينة وعدم مشاركة أكثر من ثلاثين شخصا بتشييع بعضهم الآخر، وفي كل الحالات هذا يتم بعد منتصف الليل وبعد توقيع كفالة مالية لضمان الالتزام بهذه الشروط. وهناك شرط آخر غير معلن رسميا يتمثل بعدم تشريح الجثث على يد أطباء فلسطينيين، ما يثير الشكوك أن لدى إسرائيل ما تخفيه ويتعلق بحيثيات موت هؤلاء إذ يمكن للطب العدلي معرفة كم من الوقت نزف الجريح قبل وفاته وهذا يعرضها لفضائح وربما دعاوى.
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يقود حملة تحريض واسعة ضد فلسطينيي الداخل منذ عام، سارع للإعلان عن مشروع قانون بدأ بتشريعه ويقضي بفصل نواب منتخبين من البرلمان بأغلبية 90 عضوا في حال قاموا بما هو «غير ملائم». وبالتزامن شنت المؤسسة الحاكمة والصحافة الإسرائيلية حملة على نواب التجمع الوطني الثلاثة سعيا وراء تجريم عملهم السياسي وتدجينهم سياسيا.
لكن زحالقة يؤكد أنه وزميلاه حنين زعبي وباسل غطاس قاموا بواجبهم الإنساني والوطني بتلبيتهم استغاثة عائلات فلسطينية كل ما تريده دفن جثامين أعزائها بعدما رفضت إسرائيل طلب السلطة الفلسطينية التدخل لإنهاء هذا الملف. ولم يفاجئ زحالقة بحملة التحريض الإسرائيلية ويقول، إن نتنياهو يقود التحريض ولا يتوقف عنه منذ انتخابات الكنيست الماضية حينما قال وقتها مهوّشا اليهود على العرب، إن المواطنين العرب يتدفقون بالحافلات نحو صناديق الاقتراع. وفي الشهر الماضي اتهم كل فلسطينيي الداخل بعد عملية نشأت ملحم في قلب تل أبيب وقبلها حمّل المفتي الراحل الحسيني مسؤولية المحرقة. وينوه زحالقة أن نتنياهو لا يكتفي بالتحريض بل يقوم بخطوات عملية أيضا، فهو الذي حظر الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح وأبعد نواب التجمع عن الكنيست ودفع نحو سن قوانين تضيق الخناق على العمل السياسي العربي كقانون الجمعيات وغيره من القوانين التي تربط بين العمل السياسي المشروع وبين «الإرهاب».
○ وهل هذا يعني أن نتنياهو قادر على القيام بحظر التجمع الوطني الديمقراطي أيضا؟
• لاشك أن مشروع القانون الجديد بإقالة كل نائب يقوم بعمل غير ملائم يهدف لخلق حالة من الردع أو الرقابة الذاتية وآخر مرة تم تشريع مثل هذا القانون كان في الرايخستاغ، حينما تم إبعاد نواب شيوعيين. تنياهو تبنى استراتيجية جديدة واضحة المعالم وهو مثابر بها، وقوامها استهداف المجتمع الفلسطيني في الداخل وقياداته السياسية. وسبق أن قال نتنياهو قبل شهرين إن التجمع الوطني الديمقراطي يسير ومن حوله ترفرف رايات «داعش».
وعن الدوافع خلف هذه الحملة غير المسبوقة على فلسطينيي الداخل هل هي دعائية وشعبوية فحسب أم عقائدية يوضح زحالقة أن نتنياهو يسعى لتعزيز مركزه كقائد بلا منازع لليمين بدمجه العنصرية التي نما وترعرع فيها بانتهازيته السياسية. «يتطلع نتنياهو للظهور بصورة القائد القوي على يمين منافسيه نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان. وهو يحرض بكثافة على الفلسطينيين بعدما فقد أعداءه ولم يعد بالإمكان التلويح بفزاعة إيران وحزب الله لتوحيد الإسرائيليين خلفه مستخدما استراتيجية الخوف والتخويف والآن وجد ضالته بأفضل عدو بالنسبة له وهو العدو الداخلي الطابور الخامس». لكن زحالقة يسارع للتأكيد أن نتنياهو لا يتصنع العنصرية فهو مؤمن بها أيديولوجيا.
○ وهل أثرّت القائمة العربية المشتركة التي تعتبر الكتلة الثالثة في الكنيست اليوم في تأجيج مخاوف إسرائيل على يهوديتها؟
• من استراتيجيات اليمين في إسرائيل اليوم تثبيت الحكم لمدة طويلة باستهداف الناخبين العرب حتى لا يمارسوا حقهم بالاقتراع أو ضرب التمثيل العربي. وعبّر نتنياهو عن ذلك بصراحة في خطاب «الحافلات والصناديق» وقبل ذلك برفع نسبة الحسم لمنع الأحزاب العربية من بلوغ الكنيست مستبعدا أن تعمل هذه على الوحدة في كتلة واحدة. واضح أن هناك قوى في اليمين تريد وضع شروط قاسية للمشاركة العربية في الكنيست لإبعادهم عنها وبذلك يتم تيسير مهمته بالسيطرة على الحكم والبقاء فيه. المشتركة لم تؤّثر على حكم اليمين الراهن، فمجموع ما حازت عليه أحزابه في الانتخابات الأخيرة هو 67 مقعدا من أصل 120. بالنسبة للخطر على يهودية الدولة صرح نتنياهو قبل عقد أنه إذا تكاثر العرب وصاروا يشكلون 35٪ (ثلث السكان) فهذا يعني نهاية إسرائيل كدولة يهودية. كذلك قال نتنياهو إنه في حال ظل العرب يشكلون 20٪ من السكان لكنهم شكلوا تحديا ليهودية الدولة فستكون بخطر كدولة يهودية. وما يريده الآن أن تبقى نسبة العرب متدنية وأن يبقوا متصالحين مع يهودية إسرائيل.
○ ولماذا هذا الضغط المكثف على فلسطينيي الداخل في هذه الفترة؟
• تضييق الخناق هذا ينم عن محاولة تدجين وكسب نقاط شخصية وحزبية لكن نتنياهو يؤمن بالأساس بأنه لا حق لنا بالمطالبة بحقوق وطنية. نتنياهو من أتباع التيار التصحيحي في حزبه الليكود المنبثق عن حركة «حيروت» التي تتعامل مع العرب بنوع من الليبرالية دون أي حق وطني، مثلما تصرف رئيس الحكومة الراحل أرئيل شارون الذي قال مرة إن للفلسطينيين حقوق في البلاد لا عليها. بيد أن نتنياهو اليوم غير متصالح مع الحقوق الوطنية لغير اليهود في إسرائيل أما الحقوق المدنية فيوافق على بعضها وسرعان ما ينثر السموم والشروط عليها، ويستهدف التجمع الوطني لأنه يمثل التيار القومي وموقف السكان الأصليين.
○ وإلى أي مدى تغيرت إسرائيل في المرحلة الأخيرة ولماذا؟
• منذ اغتيال رابين تحول الإسرائيليون للتصالح الداخلي، وقبل أوسلو تطلعوا لاستغلال الأسواق العربية أمامهم، لكن صناعات «الهايتيك» اليوم وهي عماد الاقتصاد الإسرائيلي لم تعد بحاجة لهذه الأسواق. وهناك أسباب أخرى تتعلق بالهجرة الروسية وتغيير مناهج التعليم وغيرها من الأسباب التي تجعل إسرائيل أكثر تطرفا قوميا ودينيا. دخلت الكنيست قبل 13 عاما وكان الوضع مختلفا فاليوم صارت العنصرية سافرة ومباشرة وأكثر خطورة لاسيما أنها لا تسدد ثمنا. الشارع الإسرائيلي، الذي يتجه نحو المزيد من الشوفينية والتطرف.
○ وهل هذا يعني أن شطب التجمع الوطني الديمقراطي وارد وكيف سينعكس ذلك على السياسة العربية في إسرائيل؟
• من الصعب التنبؤ . نأخذ بالحسبان هذا السيناريو وهو وارد أكثر من الماضي. لكن نستطيع أن نمنع ذلك. نحن اليوم بدأنا بتكثيف نشاطنا على المستوى الدولي بحثا عن حماية دولية لدى الحكومات والمنظمات غير الحكومية والأحزاب أمام الطغيان الإسرائيلي. لقد واجه التجمع حملات مسعورة كثيرة وفي كل مرة كنا نعلن التحدي متمسكين بمواقفنا المبدئية لا نحيد عنها، وفي كل مرة كنا نخرج من المعركة ونحن أقوى وأصلب.
○ وهل هناك فرصة حقيقية للمساعدة في العالم؟
• نعم فالاتحاد الأوروبي ربما يلعب دورا بالضغط على إسرائيل علاوة على مؤسسات دولية ربما تشارك بالضغط على إسرائيل وتساهم بأن تضطرها لتسديد أثمان. وقد أدانت كتلة الاشتراكيين الديمقراطيين بالبرلمان الأوروبي قرار الكنيست بإبعاد نواب التجمع لأربعة شهور، لكن هذا ليس بديلا عن النضال الشعبي فوحدتنا الوطنية هي الأساس.
○ وهل ترى ان فلسطينيي الداخل يديرون معركتهم السياسية مع إسرائيل بذكاء؟
• قمنا بالرد على التحديات الخطيرة بتشكيل القائمة المشتركة وتعزيز وحدتنا النضالية وهذه خطوة استراتيجية، كما بدأنا بإعادة ترتيب أوراق وإصلاح لجنة المتابعة وهي الهيئة التمثيلية الأعلى داخل أراضي 48.
○ وربما يحتاج النضال السليم لموازنة الخطابين المدني والقومي أيضا؟
• نحاول أن نوازن، والموازنة هذه مطلوبة في الظروف السياسية التي نعيشها، فنحن نواجه حكومة متطرفين تستهدف القومي والمدني معا بهدف إعادة إنتاج «العربي الفخور المواطن الجيد» وهذا يعني مفاخرة فارغة ومواطنة بلاستيكية، ولذا فعندما نطالب بمواطنة حقيقية نصبح مواطنين غير صالحين. المشتركة خلقت موازنة بين الأحزاب العربية، فهناك أحزاب توجهاتها قومية وأخرى توجهاتها مدنية وهذه التوليفة تعكس صورة شعبنا.
○ هناك من يقول إن «المشتركة» أنهت المماحكات الحزبية لكنها أطلقت «حرب النجوم» بين قادتها. صحيح؟
• المنافسة الشخصية قائمة داخل كل حزب وحزب. لا أخاف من المنافسة فالأهم هو الالتزام بالقضايا والمنافسة أحيانا تحفّز للعمل ولا تنسى أن «المشتركة» حديثة العهد.
○ فلسطينيا يبدو أن تسوية الدولتين باتت في خبر كان فإلى أين يتجه الصراع؟
• لم يعد للفلسطينيين ما ينتظرونه. كان هناك تعويل على انتهاء حكم الليكود ويسقط نتنياهو ويأتي من يخلفه ويمكن التفاوض معه. والآن كشف «المعسكر الصهيوني» المعارض أوراقه وتبين أن موقفه أكثر تطرفا من الحزب الحاكم. الآن نحن أمام حالة نتنياهو بلا بديل. وهذا يقود لطريق وحيدة تتمثل بالحديث مع إسرائيل باللغة التي تفهمها: لغة الضغوط، وتفعيل النضال الشعبي وحشد دعم دولي ووقف التنسيق الأمنـــي ووضع العالم أمام مسؤوليته بالاستعداد لحل السلـــطة الفلسطيـــنية. هذه السلطة باتت عائقا أمام الدولة. كانت في البداية محطة واليوم صارت محطة دائمة وحالة استقرار مع الاحتلال بعكس المطلوب.


