القدس المحتلة / سما / ما زال محمد ضيف، القائد الأعلى للجناح العسكريّ في حركة حماس، يُشغل الرأي العام الإسرائيليّ، بعد اعتراف حكومة بنيامين نتنياهو بأنّ محاولة اغتياله خلال عملية (الجرف الصامد)، الصيف الماضي، فشلت، وأنّه ما زال حيًّا ويقوم بإدارة شؤون كتائب الشهيد عزّ الدين القسّام، ويعمل على إعادة تسليح الحركة وبناء ترسانة الصواريخ التي تضررت بسبب العدوان، علاوة على قيامه باستخلاص العبر والنتائج من العدوان وتحسين أداء الجناح العسكريّ في الحرب المُقبلة ضدّ الجيش الإسرائيليّ.
وفي هذا السياق كشف الصحافيّ المُخضرم، بن كاسبيت، في صحيفة (معاريف) الإسرائيليّة النقاب عن أنّ المستوى السياسيّ في تل أبيب، وتحديدًا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، منع وسائل الإعلام الإسرائيليّة من نشر خبر فشل عملية الاغتيال قبل الانتخابات العامّة التي جرت في إسرائيل في السابع عشر من شهر آذار (مارس) الماضي، لافتًا إلى أنّ مردّ ذلك يعود إلى خشية نتنياهو وحزبه من فقدان الأصوات في الانتخابات.
وشدّدّ كاسبيت، نقلاً عن مصادر في المنظومة الأمنيّة، على أنّ المخابرات الإسرائيليّة كانت على علمٍ ويقينٍ بأنّ ضيف نجا من محاولة الاغتيال، لكنّ المستوى السياسيّ أمر الرقابة العسكريّة بمنع وسائل الإعلام من نشر الخبر، كي لا يتضرر حزب الليكود من ذلك، خصوصًا وأنّ أركانه زعموا أنّ الجيش الإسرائيليّ انتصر على المُقاومة الفلسطينيّة في عملية (الجرف الصامد).
وكشف كاسبيت النقاب عن أنّ ضيف عاد بعد تسعة أشهر من نجاته من محاولة تصفيته ليُدير بصورة مركزية عمل الذراع العسكرية لحماس، بدءً من تحديد الإستراتيجيّة العامّة حتى إدارة التفاصيل الصغيرة، مثل متابعة تطوير قطع غيار الصواريخ، على حدّ تعبير المصادر التي اعتمد عليها. وتابع كاسبيت قائلاً إنّه لعلّ ليس من الجديد التأكّد من أنّ ضيف لم يُقتل خلال محاولة الاغتيال التي استشهدت فيها زوجته وابنه وابنته، فيما لم ينفجر صاروخان سقطا عليه، فتمكن من الفرار، وفق الرواية الإسرائيلية، وشدّدّ على أنّ المعلومات حول نجاة ضيف لا تستند إلى تصريحات قادة حماس، ولا إلى رسالة التعزية التي أرسلها للأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، باستشهاد جهاد عماد مغنية، بل تعتمد على تحديدٍ إسرائيليٍّ رسميٍّ بأنّ ضيف لا يزال حيًّا يُرزق ويقود عمليات حماس.
علاوة على ذلك، كشفت المصادر عينها عن أنّ كتائب القسّام أجرت للمرّة الأولى مناورة مشتركة مع “سرايا القدس″ (الجهاد الإسلاميّ) في غزة. وبموازاة ذلك، شدّدّ التقرير على ما أطلقت عليه التوتّر الشديد بين قيادة الذراع العسكرية والسياسية في حماس. وبحسب التقارير الإسرائيليّة، فإنّ مصدر التوتّر يعود مصدره إلى عملية (الجرف الصامد)، في ظل شعور مسؤولي العسكر بأنّ القيادة السياسية أحبطت الخطوة العسكرية التي كان يمكن لها أنْ تؤدّي إلى تغيير وجه الحملة ونتائجها، فقد عمل القسام على مدى السنين لضربة أولى مفاجئة تبدأ بعدها الحملة الكبرى في غزة.
وتابعت المصادر قائلةً إنّ الخطوة المذكورة هي ضخ عشرات المقاتلين إلى أراضي إسرائيل عبر الأنفاق في منطقة كرم أبو سالم، واجتياح عدة بلدات، وتنفيذ قتل جماعي والعودة مع الرهائن إلى داخل غزة.
ولكن هذه الخطوة التي خطط لها محمد ضيف بنفسه كان يفترض بها أن تُغيّر قواعد اللعب في الجبهة، ولكن القيادة السياسية لم تعط الضوء الأخضر لتنفيذها، كما قالت المصادر عينها. وبحسب صحيفة (يديعوت أحرونوت)، بعد أنْ وضعت الحرب أوزارها، لم ينتظروا في حماس كثيرًا قبل استئناف حفر الأنفاق الهجومية باستثمار ماليّ وجهود عظيمة، مشيرةً إلى أنّ أكثر من ألف عامل يعملون على مدار الساعة في ثلاث ورديات، وستة أيام في الأسبوع.
والهدف المعلن هو العودة إلى نقطة البداية التي انطلقت منها الجرف الصامد، مع ما لا يقل عن 32 نفقًا هجوميًا، بعضها يصل إلى الأراضي الإسرائيلية، حسبما ذكرت المصادر. أمّا في مجال الصواريخ، فقالت المصادر العسكريّة الإسرائيليّة إنّ حماس عادت لتعمل في الإنتاج الذاتي، وفي الأشهر الأخيرة بذلت جهودًا لاستكمال مخزون الصواريخ البعيدة المدى، والحشد لإنتاج القصيرة المدى التي تضرب غلاف غزة للتصدي لمنظومة القبة الحديدية.
بالإضافة إلى ذلك، ساقت التقارير الإسرائيليّة قائلةً إنّ أحد الدروس التي استخلصتها حماس يتعلق بالحاجة إلى فتح ساحة أخرى أثناء جولة القتال ضد إسرائيل، لافتةً إلى أنّ الحركة باشرت ببناء شبكات في سيناء بهدف إقلاق الجيش الإسرائيليّ بالنار من جبهة أخرى.
في السياق ذاته، وضمن إطار الخلاف الداخليّ الذي تحدثت عنه التقارير الإسرائيليّة، قالت الإذاعة الإسرائيليّة الرسميّة باللغة العبريّة إنّ ضيف يسعى حاليًا إلى تحقيق التقارب بين حماس وإيران من أجل الحصول على أموال ووسائل قتالية، في حين تشهد قيادة الحركة خلافات بين مستوييها العسكري والسياسي على هذه الخلفية، فضلاً عن إخفاقها في تحقيق أيّ إنجازات ملموسة خلال المواجهة الأخيرة مع إسرائيل. ونقلت الإذاعة نفسها عن ضابط رفيع المستوى في الجيش الإسرائيليّ توقعه أنّه في الحرب المقبلة ستجري مهاجمة إسرائيل بالصواريخ من كل الجبهات:غزة، الضفة، والشمال وربمّا أيضًا من سيناء).
وتابعت قائلةً، نقلاً عن مصادر في القيادة الجنوبيّة بالجيش الإسرائيليّ إنّ التقدير السائد في الجيش الإسرائيليّ يؤكّد على أنّ الحرب لن تندلع هذه السنة، بسبب عدة أمور، من بينها الضرر الكبير الذي لحق بقطاع غزة، وأيضًا وجود صدع كبير بين المستوى السياسي لحماس والمستوى العسكري، فالذراع السياسية تخشى من عناق شديد من إيران من شأنه السيطرة على حماس، فيما الجناح العسكري بحاجة إلى المال الإيرانيّ، على حدّ تعبيرها.
في الوقت نفسه، تُواصل التقارير الإسرائيلية الإشارة إلى أنّ ثمة جهات أمنية عديدة في إسرائيل تُحذّر من مواجهةٍ قريبةٍ مع غزة في حال لم يتّم تغيير الأوضاع بصورةٍ جذريّةٍ، وذلك في ظل تزايد حالة الإحباط لدى سكان غزة والمستويات الأمنيّة والسياسيّة لدى الفصائل الفلسطينيّة، حسبما قالت المصادر العسكريّة في تل أبيب.


