بعدما أعلن الرئيس الراحل أبو عمار من على منبر قصر الصنوبر في الجزائر، وثيقة استقلال فلسطين، عام 1988، توحّد الشعب الفلسطيني وراء هذه الوثيقة كخارطة طريق لنضاله من أجل إقامة دولته المستقلة، شكلت هذه الوثيقة الإطار الجامع لكل مكونات الشعب الفلسطيني السياسية على اختلاف أشكالها وتلاوينها الفلسطينية، كما وضعت تخوم الهُوية الوطنية والقومية لعموم الشعب الفلسطيني في فلسطين والمنافي. ولم نجد من يخرج عن إطار هذه الوثيقة الجامعة رغم التباينات والأيديولوجيات المختلفة، عبرت هذه الوثيقة بوضوح ودقة عن هُوية هذا الشعب وانتمائه الوطني والقومي.
الآن، تحاول الدولة العبرية صياغة هُويتها، تقر حكومة نتنياهو الصيغة المقدمة إلى الكنيست لإقرارها، تباينات هائلة في الجوهر، كما في التفاصيل لا تزال تثار حول هذه الوثيقة المسماة "قانون القومية" صراع بين الأطياف المختلفة حول كل تفصيل في هذا القانون، تهديد بالخروج من الحكومة أو إقالة وزراء من هذه الحكومة على خلفية الخلاف حول هذا القانون، وإذا ما كانت هناك دلالات ومؤشرات حول طبيعة الخلافات حول قانون نتنياهو هذا، فإنها بالتأكيد تدور حول "الهُوية" المفقودة، ليس هناك في واقع الأمر، هُوية إسرائيلية، لا قومية ولا يهودية وبالتأكيد لا ديمقراطية، دولة لا هُوية لها بعد 66 عاماً من قيامها، خلال هذه العقود، حاولت هذه الدولة تعريف من هو اليهودي، دون نجاح، حاولت توحيد اليهود الشرقيين والغربيين وفشلت، حاولت جلب كل يهود العالم إليها، نجحت ولكن مع بقاء عدد كبير من يهود العالم لا يريد "العودة" إلى أرض الميعاد، لقناعتهم بأنها ليست سوى أرض لها أصحابها الفلسطينيون، حاولت هذه الدولة مستغلة غياب الديمقراطية في دول الجوار العربي، تأكيد هُويتها الديمقراطية، لكن سرعان ما انكشفت بعدما تبين أنها دولة عنصرية، ليس فقط بشأن المواطنين العرب، ولكن إزاء يهود سومر وشرقيين وفقراء، وحتى روس، شنت إسرائيل حروباً عديدة في محاولة لتوحيد "مواطنيها" حول عدو ما، لكن النزعة العنصرية الفاشية ظلت تحكم تصرفاتها وسلوكها إزاء سكانها أو مواطنيها.
كرد فعل على هذا الانقسام ذي الطبيعة القومية بالدرجة الأولى، حاولت إسرائيل شق الصف القومي العربي، فلجأت إلى تقسيم المواطنين العرب على أساس ديني: مسلم ومسيحي ودرزي، وآرامي وبدوي، وأطلقت على كل قسم لقبا باعتباره أقلية مختلفة عن الأقليات الأخرى، منحت امتيازات لأقليات دون غيرها لمزيد من التفرقة، سنت القوانين لمنع العرب الفلسطينيين على اختلاف مشاريعهم من رفع العلم الفلسطيني أو النشيد الوطني الفلسطيني، مع ذلك ما زال شعبنا في مناطق 48 يحتفي بعلمه ونشيده و"حطته" التقليدية، أكثر بكثير مما هو الأمر عليه لدى الفلسطينيين خارج مناطق 1948، حيث ترفع الفصائل أعلامها الخاصة أكثر بكثير مما ترفع العلم الوطني الفلسطيني، إسرائيل وحّدت الشعب الفلسطيني بالداخل، وحاولت تمزيق الشعب الفلسطيني في الخارج، كما حاولت ذلك في الداخل!!
القانون الذي ستتقدم به حكومة نتنياهو إلى الكنيست لإقراره، وبصرف النظر عن إمكانية المصادقة عليه بالقراءات الثلاث، يعبر عن محاولة مصطنعة لتسول "هُوية ما" تتوسل من خلالها أن تكون دولة "طبيعية" كسائر دول العالم المنتمية إلى هُويتها الوطنية والقومية، بالارتكاز إلى طبيعة التكوين الصناعي لهذه الدولة، وجوهره عنصري فاشي ذات طبيعة دينية، والدين، مكون طبيعي لأي قومية، لكنه وحده غير كاف بالتأكيد لبناء هُوية قومية، وحتى في حال توحد مواطني هذه الدولة من اليهود، فإن اليهودية ستبقى ديناً وليس قومية، تجمع أصحابها في المناسك والعبادات ولا تجمعهم في الهُوية الوطنية، فهم ينتمون إلى القوميات التي هربوا أو تم تهريبهم منها، هؤلاء مواطنون لهم جذورهم القومية الأصيلة، غير إسرائيل، إدراك الحركة الصهيونية وثم القيادات الإسرائيلية لهذا الأمر، كان وراء المحاولات الرامية إلى اعتبار الدين المكون الوحيد للهُوية القومية، خلافاً لكل دول الأرض.
يحاول فقهاء السياسة في إسرائيل دمج اليهودية مع نقيضها، الديمقراطية، لكن بلا جدوى، فاليهودية كعنصر سياسي، هي في تضاد مع الديمقراطية، كونها عنصرية فاشية لا تقبل الآخر، بل تحاول قتله إذا لم تنجح في تهجيره وإقصائه، قانون نتنياهو هذا، واضح تماماً، فإسرائيل يهودية بالنسبة للعرب المواطنين الأصليين في الدولة العبرية، وديمقراطية فقط، لليهود المهاجرين من أصقاع الأرض إلى أرض اللبن والعسل، أرض الميعاد كما في الفقه التوراتي.
مقارنة أولية بسيطة بين وثيقة الاستقلال الفلسطيني، وقانون نتنياهو حول الهُوية المصطنعة للدولة العبرية، تظهر بوضوح الفرق البيني بين هُوية أصلية لها مرتكزاتها التاريخية، وهُوية مزيفة، تم تسولها، وظلت مجال صراع بين أطرافها!!
Hanihabib272@hotmail.com


