خبر : فصل ثالث من حرب لم تنته بعد ...رجب ابو سرية

الثلاثاء 05 أغسطس 2014 09:27 ص / بتوقيت القدس +2GMT
فصل ثالث من حرب لم تنته بعد ...رجب ابو سرية



إذا كان الخبراء قد اعتادوا القول بأن السياسة ما هي الا اقتصاد مكثف، فإنه يمكننا ان نقول بأن الحرب ما هي إلا سياسة مكثفة، بمعنى، ان الحروب التي تخوضها الدول، وحتى الجماعات، انما تحدد لها أهداف سياسية، وبذلك فإن نتائج الحروب عمليا تحدد وتقاس بمدى تحقيق تلك الأهداف، كذلك فإن مراجعة أداء هذا الطرف او ذاك، خلال الحرب، يكون بعد أن تضع الحرب أوزارها، فتحصى نتائجها، بتعداد الضحايا وحصر الخسائر المباشرة وغير المباشرة، على الطرفين، وبذلك يمكن القول، خاصة إذا ما كانت الحرب التي جرت، كانت عبارة عن فصل حربي، أو معركة بين طرفين، لم تنته الحرب عند حد هزيمة احدهما هزيمة كاملة، أي بتدمير جيشه أو إسقاط نظامه أو تدمير حكمه، واحتلال أرضة أو بلده، أو ما إلى ذلك، ان تلك الحرب حققت أو أخفقت في تحقيق أهدافها، ما يجعل من احتمال تجددها أمرا مرجحا .

الحروب التي لا تنتهي عادة، بتوقيع معاهدة استسلام، او بدحر أحد الطرفين بشكل كامل، كما حدث مثلا في الحربين العالميتين، وتبقي إمكانية تجدد الحرب بين نفس الطرفين _ كما حدث من قبل بين حماس / غزة وإسرائيل _ في مناسبتين سابقتين، لا يمكن القول فيها بأن هذا الطرف قد حقق النصر التام وأن الطرف الآخر قد لحقت به الهزيمة المبرمة، بل يمكن استنادا الى النتائج المتحققة، القول بأن هذا الطرف أو ذاك قد حقق أهدافه من الحرب أو انه فشل في تحقيقها، خاصة الطرف الذي بادر إليها، والذي اتخذ قرارها، وظل يرفض وقف النار، وما إلى ذلك، وغير ذلك يجيء من بوابات الادعاء ورفع المعنويات وحتى من باب التضليل والكذب، وعموما، ليس هذا المهم بالنسبة لنا في هذه اللحظة، او هو الهدف من هذا المقال، المهم هو، وحيث اعتبرنا بأن الحرب انما هي سياسة مكثفة، إننا نريد أن نقول بأن من يخوض حربا ولا يحيط بكل ما يحيط باللحظة وبالطرفين من ظروف، لا يمكنه أن يحقق منها شيئا!
في العام 2000، وحين تأكد الرئيس الراحل ياسر عرفات من دجل السياسة الإسرائيلية التي كانت أوحت للجانب الفلسطيني، بأن منطق أوسلو ينطوي على حل مؤقت وحل دائم، وأن إنهاء الاحتلال سيكون بالتدريج، بحيث أن إسرائيل ستنسحب خلال الخمس سنوات من نحو 90% من الأرض الفلسطينية المحتلة، بحيث يكون التفاوض خلال تلك السنوات على الحل النهائي، أي على الـ 10% التي تبقت والتي تشمل عمليا كل ملفات تلك المفاوضات ( القدس، المستوطنات، الحدود )، ذهب الى انتفاضة الأقصى عام 2000، ورغم حنكة وخبرة عرفات، إلا انه لم يأخذ كثيرا في الاعتبار المتغير الدولي الذي نتج عن أحداث الحادي عشر من أيلول 1999، لذا فإن نتيجة المواجهة كانت وبالا على الجانب الفلسطيني، حيث تمكنت إسرائيل من تنفيذ عملية السور الواقي، ومن ضمنها " قضم " الولاية الفلسطينية في المناطق (أ)، كذلك وقف أوسلو، والانسحاب الأحادي من غزة، وبناء الجدار، وتحويل المؤقت الى دائم _ مدة خمسة عشر سنة حتى الآن _ .
قبل الحرب الثالثة على غزة، حذرنا حركة حماس كثيرا من حرب ثالثة، تحضر لها إسرائيل مع انتهاء مهلة التسعة أشهر تفاوض دون تحقيق شيء يذكر، ودون حتى الاتفاق على تمديد لها، وقلنا بانه سيكون بمقدور إسرائيل هذه المرة ان تبطش بغزة، نظرا للظروف الإقليمية المختلفة عن الظروف التي رافقت الحرب الأولى على غزة عام 2008 / 2009، نظرا لمتغيرين أساسيين : الأول أن المنطقة تشهد مجازر يومية في سورية، العراق، ليبيا، اليمن، وبعد ثلاث سنوات من الحراك العربي، انشغلت الشعوب العربية قبل حكامها بأوضاعها الداخلية. كذلك نظرا لطبيعة حماس / الإخوانية، فإن التعاطف الإقليمي مع غزة سيكون صفراً. ففي السابق كانت حركة الإخوان تحرك الشارع العربي، لكنها بعد ان منيت بالهزيمة السياسية في مصر، فقد انحسر تأثيرها كثيرا، ولن يكون بمقدورها تحريك العواصم والمدن العربية، ثم ان حماس لم تكن وفية لحلفائها السابقين في إيران / سورية / حزب الله، لذا فإن إسرائيل ستبطش بغزة، بحرية أكبر مما كان عليه الأمر من قبل، ولولا أن سبق هذه الحرب اتفاق المصالحة، لكانت الحرب الثالثة أشد فظاعة، مما حدث، لكن على ما يبدو بأن حالة حماس بعد سبع سنوات حصار في غزة، وبعد سقوط الإخوان في مصر، وبعد تلكؤ أبو مازن في تقديم قشة الغريق لها بعد إعلان الشاطئ، كل هذا دفع حماس لليأس، فما ان لوحت لها إسرائيل بالطعم _ وكان لإسرائيل مصلحة حقيقية في الهروب من الانتفاضة الثالثة، التي لاحت إرهاصاتها، بعد حرق الفتى محمد أبو خضير في الضفة الغربية، وزاد من الضغط على إسرائيل مشاركة الـ 48 في ذلك الحراك _ حتى التقطته، ثم ولأن أبو مازن يدرك بفضل خبرته وحنكته السياسية، مدى ما ينتظر غزة من ويلات، سارع محاولا ان يفشل المخطط الإسرائيلي، ويعطل فخها الذي نصبته لحماس، وكان ان نجح _ جزئيا _ عبر مصر العظيمة بإطلاق مبادرة وقف إطلاق النار، مبكرا، وقبل الحرب البرية التي حصدت اكثر من 80% من أرواح الضحايا، وكان يمكن لهذه الحرب ان تكون أقرب لصورة الحرب الثانية عام 2012 التي اقتصرت على الغارات الجوية، والتي أوقعت اقل من مئتي شهيد، لكن وحيث ان قادة إسرائيل يمتازون بالدهاء السياسي، وحيث انهم يعلمون رفض حماس للمبادرة المصرية، ربما لأنهم متفقون مع قطر على هذا، أو ربما لأنهم يعرفون بأن "حماس" سترفض مبادرة صادرة عن مصر / السيسي، فقد وافقوا على وقف النار، لأن "حماس" رفضته، فعزز هذا قدرتهم على التوغل في لحم غزة، نظرا للتغطية الدولية الناجمة عن هذا الموقف السياسي، وحين قبلت حماس الذهاب للقاهرة، سارعت فورا إسرائيل لادعاء خطف جنديها لإفشال وقف النار.
لقد تأكد خلال شهر دموي، تموز الأحمر القاني، ان الشعب الفلسطيني موحد، وانه يحتمل الألم، وانه صبور مثل الجمال، وان فيه مقاتلين اشداء يتحلون بالشجاعة الفائقة، لكنه كما هي العادة يفتقر للقيادة السياسية التي تتمتع بالمهارة والحنكة السياسية، والتي تحضر للحرب من كل النواحي بما في ذلك تأمين الملاجئ التي تحمي المدنيين، وتخزين احتياطيات التموين والوقود وما الى ذلك، ثم تقاتل على الجبهة السياسية حتى تكسب الحرب، وحيث انه انتهت مع الإسرائيليين معركة، فيما الحرب ما زالت قائمة، فلا بد من المراجعة واتخاذ العبر، ومن ثم بدء التحضير الجدي لكسب معركة طويلة الأمد، ولو بالنقاط.
Rajab22@hotmail.com

رجب ابو سرية