خبر : إسرائيل: استبدال قوة الردع بقوة الإبادة ...اشرف العجرمي

الجمعة 01 أغسطس 2014 09:46 ص / بتوقيت القدس +2GMT
إسرائيل: استبدال قوة الردع بقوة الإبادة ...اشرف العجرمي



تمر الحكومة الإسرائيلية بمأزق كبير في ضوء عدم تحديد أهداف حربها على الشعب الفلسطيني، واضطرارها لتغيير وتعديل هذه الأهداف في فترات متقاربة.

فمن القضاء على فصائل المقاومة ونزع أسلحتها إلى تدمير الأنفاق التي تصل قطاع غزة بالبلدات الإسرائيلية المحيطة والاكتفاء بعدم السماح بإعادة تسليح المقاومة بالصواريخ والرقابة على دخول مواد البناء والأموال والصواريخ إلى قطاع غزة والاكتفاء بآلية دولية لهذه الرقابة.
فوضع أهداف كبيرة غير قابلة للتحقيق جعل الجمهور الإسرائيلي يتبنى سقفاً عالياً لأهداف العدوان على غزة أصبح يثقل على الحكومة التي لا تعرف ماذا تفعل وكيف ستنهي حربها دون تحقيق الحد الأدنى من النتائج التي أرادتها والتي توقعت إنجاز جزء مهم منها.
بنيامين نتنياهو في وضع لا يحسد عليه وهو لا يملك أغلبية في حكومته لوقف إطلاق النار والانسحاب من قطاع غزة، هكذا بخفي حنين، أو توسيع الحرب والدخول إلى عمق أكبر في ظل مخاطرة كبرى بخسائر فادحة في صفوف قواته وفي صفوف المدنيين الفلسطينيين، وهو كذلك في وضع أسوأ مع جمهوره الذي تريد غالبية منه تصل إلى 85% مواصلة الحرب حتى القضاء على حركة حماس وهو يعلم أن هذا الهدف والمطلب مستحيل، وهو لا يرغب فيه أصلاً حرصاً على أهداف إسرائيل البعيدة بالحفاظ على الانقسام الفلسطيني.
وقد يكون بمقدور نتنياهو تمرير قرار بوقف الحرب بحجة مصالح إسرائيل الإقليمية والدولية، ولكنه سيخسر كثيراً لدى الرأي العام الذي سيكتشف أن حكومته ستعيده إلى مربع الصفر وتجعله تحت رحمة الصواريخ الفلسطينية في المرة القادمة التي تتجدد فيها الاشتباكات.
في الواقع شكلت هذه الحرب مفاجأة عظيمة لنتنياهو وأركان حكومته واستخباراته بمختلف أنواعها ومستوياتها، فهم لم يتوقعوا صمود قطاع غزة كل هذه الفترة واستمرار المقاومة في إطلاق الصواريخ حتى بعد الاجتياح البري، فلم تستطع آلة الحرب الإسرائيلية برغم كل جرائم القتل والتدمير أن تقضي على مخزون الصواريخ لدى فصائل المقاومة أو تمنع إطلاقها من مختلف مناطق القطاع برغم التواجد الكثيف للطيران الحربي وطيران الاستطلاع والرقابة من الأقمار الاصطناعية.
واليوم هناك اعتراف بفقدان قوة الردع الإسرائيلية في الحرب مع غزة، وهذا الاعتراف لا تدلي به مصادر عسكرية كبيرة ومطلعة بل شخصيات سياسية كانت في موقع القيادة الأمنية مثل شاؤول موفاز وزير الحرب السابق.
كما لم تتوقع إسرائيل أن يتوحد الموقف الفلسطيني، موقف القيادة وموقف الفصائل المختلفة وعلى رأسها "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، بشأن شروط وقف إطلاق النار.
فهذا الموقف اربك الرواية الإسرائيلية التي تركز على أن الحرب هي بين إسرائيل وحركة حماس، وليس بين قوات الاحتلال والشعب الفلسطيني بأسره.
ويبدو أن حكومة نتنياهو وقوات حربه استبدلت مفهوم قوة الردع العسكري الموجه ضد فصائل المقاومة والمقاتلين باستخدام أقسى أشكال القتل والتدمير ضد المدنيين الفلسطينيين في مسعى لخلق ضغط على فصائل المقاومة للتنازل والقبول بالمطالب الإسرائيلية في إطار حقن الدماء أو الاستجابة لضغط الشارع على اعتبار أن قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية المدنية سيقودان إلى احتجاجات شعبية ضد استمرار الحرب، ولكن هذا الأسلوب التعيس والإجرامي لا ينجح، وهو ما يزيد مأزق هذه الحكومة ويضطر نتنياهو إلى تعديل شروطه ومطالبه وأهدافه.
التغيير في الموقف الإسرائيلي لا يتعلق فقط بشروط وقف النار التي قد تقوم إسرائيل بوقفها من جانب واحد في ظل وجود خيارين لا ثالث لهما أمام الحكومة الآن وهما إما استكمال الاجتياح والتوغل وإما التوقف والانسحاب فوراً لأن قوات الحرب الإسرائيلية لا يمكنها المكوث في أماكنها لفترة طويلة تتحول فيها إلى أهداف سهلة للمقاومة، ولكنه يمتد أيضاً إلى الموقف من الجهود الدولية الخاصة بوقف النار فعلى سبيل المثال عبرت إسرائيل عن غضبها من الجهود التي يبذلها وزير الخارجية الأميركية جون كيري الذي نظم مؤتمر باريس بهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لأنها تستثني كما تقول مطالب إسرائيل بنزع سلاح المقاومة وإن كان كيري قد عاد وأكد ذلك، وأيضاً بسبب رغبة إسرائيل بوجود مصر كراعٍ لاتفاق التهدئة، واحتجاجها على وجود قطر وتركيا المتهمتين بدعم "الإخوان المسلمين" خصوصاً الدعم المادي التي تقدمه قطر لـ"حماس".
وهناك على ما يظهر موقف مغاير من السلطة الفلسطينية التي كانت متهمة قبل الحرب بأنها اختارت التحالف مع الإرهاب، وأنها أصبحت في الاتجاه المعادي، والآن تريد إسرائيل ترتيبات بالتعاون مع السلطة لفتح المعابر وإعادة إعمار القطاع والمرحلة التي تعقب وقف إطلاق النار.
ويبدو أن موقف السلطة والقيادة الفلسطينية الموحد المنتصر للشعب هو الذي قاد إلى هذا التغيير في الموقف الإسرائيلي، ولا شك أن قدرة القيادة على إفشال محاولات التدخل الإقليمي الضار وإعادة الأمور إلى نصابها فيما يتعلق بالعودة إلى المبادرة المصرية التي تحتاج لبعض التعديلات والتي تضمن حماية المدنيين الفلسطينيين تشكل أرضية مناسبة ليس فقط لاتفاق وقف إطلاق النار بل للمرحلة التي تلي ذلك.
ويعتبر إعلان القيادة في اجتماعها، أمس، عن إعلان الموافقة على هدنة إنسانية لمدة 24 ساعة باسم كل القوى الفلسطينية تطوراً مهماً يضاف إلى الاتفاق على تشكيل وفد فلسطيني موحد للتفاوض حول وقف إطلاق النار في القاهرة، وهذا من شأنه تعزيز الموقف الفلسطيني ومحاصرة إسرائيل إقليمياً ودولياً ويضعها في دائرة الاتهام تمهيداً لمحاكمتها على جرائم الحرب التي اقترفتها بحق المدنيين في إطار هذه الحرب الإجرامية المجنونة التي تشنها ضد الشعب الفلسطيني، ومن شأنه كذلك فتح الآفاق أمام عملية سياسية للتوصل إلى تسوية سياسية للصراع.