تأملت ملياً ما قاله المعلق العسكري الصهيوني "آري شبيط" في مقال لصحيفة "هآرتس": (ما يفعله طيارو سلاح الجو الآن هو تمكين الدولة الواحدة للشعب اليهودي من البقاء، وما يفعله جنود غولاني والمظليون والشباب الطلائعيون الآن هو تمكين الديمقراطية الوحيدة بالشرق الأوسط من البقاء، والذي يواجهه سكان الجنوب "يقصد مستوطنات غلاف غزة" هو محاولة كريهة لهدم بيتنا على رؤوسنا، ولا يجوز أن ننسى ذلك حتى حينما تكون الصور من غزة قاسية، فلسنا "جولييت" يقصد "جالوت" بل كنا "داود" وما زلنا "داود" ونحن ندافع عن أنفسنا ك"داود"). نعم هكذا ينظِّرُ لشعبه ولحلفاء شعبه: إنه يصارحهم بأنه صراع وجود، وصراع الوجود لا تنقذه المساومات، إنه يشعرهم بالخطر المحدق بهذا الكيان، كأنه يعلم ألّا جذور له في الأرض، وهو كذلك، فمتى يفهم العرب والمسلمون ذلك؟ ثم هو يُسوِّقُ للعالم أنهم واحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة ويستغيث بالعالم لحمايتها، ألا تباً لها من واحة خادعة كالعجوز الشمطاء. كيف نصف هذا الصنف من البشر، والإنسانية منهم براء، إنهم كذابون دجّالون، يبرّرون ويزيّنون لشعبهم وللعالم كل ما يقوم به جيش الاحتلال من جرائم حرب مروعة، بينما هم يستخدمون أحدث الآلات الحربية لإبادة شعبنا، وما يفعلونه يفوق ألف مرة مما فُعل بهم في ألمانيا وروسيا. ما ذنبنا فيم فُعِلَ بهم هناك، وأيّ دهاة خبثاء أولئك الذين خدعوهم بفكرة صهيون، ليقذفونا بهم، حتى أصبحوا من بعد اضطهاد واستضعاف وتشريد؛ طغاة معتدين محتلين غاصبين لأرضنا، بل أخطر احتلال عنصري وأبشع نظام استئصالي. والمضحك أنهم يتمسحون بالدين، ويخدعون قومهم به، وهم من أرذل وأكفر الخلق، ويفخرون بداوود وهو منهم براء، بل هم الملعونون على لسانه، باختصار: إنهم عنصريون أسوأ ألف مرة من النازيين والفاشيّين. إن المجازر المروعة وجرائم الحرب التي ارتكبها ولا يزال يرتكبها الاحتلال الصهيوني بحق شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، واستهدافه لمئات البيوت والمؤسسات والمصانع والمزارع بالقصف والتدمير الكلي والجزئي، والتي خلّفت آلاف الضحايا من الشهداء والجرحى والمعاقين، معظمهم من الأطفال والنساء والمسنّين، وتشريد مئات الآلاف من سكان أطراف القطاع ونزوحهم لداخله؛ وقد توّج ذلك باستهدافه للمستشفيات وسيارات الإسعاف ومن فيها من طواقم طبية وإسعاف ومرضى وجرحى، بل مدارس وكالة الغوث بمن نزح إليها من المشردين، لقد بلغ فجور قادة الاحتلال وإفساده أوجه، بل تعداها لدرجة الجنون، حتى طال البرّ والبحر والبشر والشجر والطير والحيوان. كل ذلك يعتبر جرائم حرب مركبة تقتضي تشكيل لجان تحقيق دولية فوراً، ومن ثمَّ ملاحقة قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين أينما كانوا واعتقالهم ومحاكمتهم دولياً، وإن المدّعي العام لمحكمة الجنايات الدولية بإمكانه الشروع حالاً في ذلك دون أن ترفع له القضية من أي دولة، لكنّه التواطؤ البغيض، فأين مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة؟ وأين المجموعة العربية بالأمم المتحدة، وأين المواقف الشجاعة والخطوات الفاعلة المؤثرة؟ ليعلم الجميع أنَّ التاريخ لن يرحم المتواطئين، الذين يخونون أمانتهم ويخونون الضمير الإنساني وحقوق الإنسان. إننا أمام صنف عجيب من البشر، تراهم يمثلون كبرى دول العالم وكبرى المؤسسات الدولية، يلوكون كلاماً عجباً، كأني بهم يحترفون مضغ الكلام، هراء وكذب وخداع، ترى هل يعلمون أنهم كذلك؟ أم هم يؤمنون برواية يهود؟ أم هم يهود؟ أم هم ينافقونهم رغباً أم رهباً؟ أم كلُّ ذلك؟


