أبدى مجلس الأمن "قلقه" "البالغ" بشأن "تصاعد العنف" ودعا ألى وقف فوري "للعمليات". موقف جرى تلخيصه بنصف سطر، لكنه شكل غطاءً سياسياً دولياً للعدوان الوحشي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وبخاصة بعد مجزرة الشجاعية. موقف مجلس الأمن ساوى بين الضحية والمعتدي، بين شعب تأكله آلة الحرب الإسرائيلية وتبطش بأطفاله وأبريائه قتلاً بالمئات وجرحاً بالآلاف وتشريداً وترويعاً بمئات الآلاف، وشعب لم يمت من مدنييه إلا أقل القليل. هذا الموقف جاء امتداداً للموقف الاميركي "وبعض" الأوروبي الذي أعطى دولة الاحتلال "حقاً" بالدفاع عن مواطنيها. وعندما جاء الدفاع في صورة مجازر وقصف وتدمير منازل ومدارس ومستشفيات، استمرت إدارة الرئيس اوباما الحائز على جائزة نوبل للسلام في تأمين الغطاء ومنح دولة الاحتلال غطاء لمواصلة العدوان الذي تحول الى مجازر ضد المدنيين.
كم كان السقوط الأخلاقي والإنساني للنظام الدولي مدوياً، عندما لم تحفزه مجزرة الشجاعية البشعة على وقف العدوان والتحقيق مع المتهمين في ارتكابها، قد لا يكون ذلك غريباً ولا مفاجئاً تماماً، فهذا النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة هو الذي عطل الأخذ بتوصيات لجنة التحقيق في المجازر التي ارتكبتها دولة الاحتلال الاسرائيلي عام 2008 - 2009 والتي اصطلح على تسميتها (تقرير غولدستون)، وهو الذي سمح لدولة الاحتلال بالتمرد على القانون الدولي والشرعية الدولية، وهو الذي دعم الثورات المضادة لقطع الطريق على تحرر الشعوب العربية وتحولها الديمقراطي ومكن الأنظمة المستبدة من الاستمرار، او من إعادة انتاج انظمة مستبدة وتابعة جديدة.
ما هو مؤلم أن يُستخدم دم وآلام ومعاناة وتشرد ابناء قطاع غزة في الصراع الاقليمي الذي يحركه مايسترو أميركي فاشل، كم تحتاج هذه الكتلة المتنافسة او تلك من دم فلسطيني لتثبت نفوذها وقدراتها؟ سؤال برسم الدول المتنافسة التي تنطلق من مصالح إقليمية خاصة ومتعارضة، والاهم لماذا لم تغتنم "حماس" والفصائل المبادرة المصرية بهدف وقف العدوان أولاً واختبار المواقف ثانياً وكسب الوقت ثالثاً. إن كل المطالب والشروط التي تقدمت بها فصائل المقاومة مشروعة وعقلانية وتعبر عن مصلحة الشعب الفلسطيني في هذه اللحظة السياسية وبخاصة أنها جاءت بعد أداء بطولي ومفاجئات ذكية وصمود وتماسك ميداني مُشرِّف. كان ينبغي قبول المبادرة المصرية التي تنص على وقف فوري لإطلاق النار، وهذا يعني وقف العدوان الاسرائيلي الوحشي، وقطع الطريق على المعتدين، ثم يأتي بعد وقف العدوان، وضع شروط المقاومة على طاولة التفاوض غير المباشر الذي اقترحته المبادرة المصرية، وأثناء التفاوض واستعراض الشروط والشروط المضادة يمكن رفض اي ضغط يمارس على المقاومة إن وجد، وكشف أي تواطؤ مع شروط دولة الاحتلال إن حدث، وبعدئذ وفي المحصلة الأخيرة يمكن رفض الشروط والإملاءات الإسرائيلية المتوقعة وسيكون ذلك بمثابة كسب سياسي فلسطيني للمعركة الراهنة واللاحقة. ولا شيء تخسره المقاومة ولا الشعب جراء القبول بوقف العدوان واختبار المواقف، كان من شأن الموافقة الفلسطينية على المبادرة المصرية عدم قبولها من قبل دولة الاحتلال او وضع شروط لقبولها وفي هذه الحالة تقذف الكرة في الملعب الإسرائيلي. ما حدث العكس، وحاولت دولة الاحتلال توظيف الرفض الفلسطيني للتغطية على عدوانها الذي بدأ يواجه بمعارضة واسعة ومتعاظمة. خلافا لتكتيكات الكتل المتنافسة على استخدام الورقة الفلسطينية من المفترض وبعد مسلسل التجارب الفلسطينية المريرة، خروج الحركة السياسية الفلسطينية بكل ألوانها من كل المحاور الإقليمية والدولية وعدم الارتهان لأي طرف، والتعامل من موقع مستقل مع كل دولة بما يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية.
معركة غزة كشفت الكثير من عناصر القوة وعناصر الضعف، فقد تخلخلت قوة الردع الإسرائيلية خلافاً لتقدير المؤسسة العسكرية وجنرالاتها، يجوز القول، إن ضعف مفعول غطرسة القوة الاسرائيلية في هذه المرة أكثر كحصيلة منطقية للتراكم الذي أحدثته المقاومة في مرات سابقة، وعندما يكون قتل المدنيين وتشريدهم وترهيبهم وتدمير مخيماتهم وبلداتهم وأحيائهم هو الوسيلة المتبقية امام الدولة الإقليمية العظمى لاستعادة سلاح الردع، ستكون النتيجة إفلاساً إسرائيلياً كبيراً.
التخبط العسكري الإسرائيلي، ارتبط بتخبط سياسي، وبتغيير الأهداف السياسية للحرب في كل يوم تقريبا، من إزالة الصواريخ إلى تدمير البنية التحتية، وتدمير الأنفاق، وتغيير قواعد المواجهة، واستعادة قوة الردع، وإسقاط حكم "حماس".
في كل مرة تطرح الأهداف وفي ظن "الكابينيت" والجنرالات الذين يعيشون حالة التثبيت على حرب "الأيام الستة" التي هزم فيها اسلافهم عدة جيوش عربية، التغيير والتخبط يعودان لسوء التقدير النابع من الاستهانة بالشعب الفلسطيني وقدراته، والنابع ايضا من الاخفاق في تحقيق تلك الأهداف.
هل أغلقت الأبواب أمام الاستباحة السياسية الإسرائيلية للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وهل انتهى العمل بسياسة فرض الحلول من طرف واحد، وهل مضى عهد الاستباحة العسكرية دون رد او مقاومة. ثمة تحول فلسطيني عنوانه بداية الخروج من مسار أفضى الى الاخفاق، الى مسار جديد آخذ بالتشكل، يترافق مع انتقال الصراع مع الاحتلال الى أجيال فلسطينية جديدة، أجيال يعتقد أنها استخلصت بشكل تلقائي دروس العملية السياسية والاعتدال والمرونة والاعتماد على الوساطة الأميركية التي قادت الى نتائج وخيمة، وتوقفت عند دور حكومات الاحتلال في جعل حياة ومصير المعتدلين أكثر من صعب، في جعل سياسة الاعتدال بلا معنى.
بقي القول، ما كان يمكن، البدء بعودة الوعي الفلسطيني، ولا الحفاظ على الكرامة الفلسطينية، لولا صمود ومقاومة وبطولة وتضحيات قطاع غزة شعباً ومقاومين.
غزة كانت على الدوام قاعدة الوطنية الفلسطينية وحارستها وبوصلتها، غزة أعطت الكثير ولم تأخذ إلا القليل، فهل يتم تصويب الخلل، بتجديد العقد الوطني الاجتماعي، وبإعادة بناء التمثيل الفلسطيني في مؤسسات جديدة تعبر عن كل مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.


