الشارع الفلسطيني موحد بشأن الحرب التي تخوضها إسرائيل ضد غزة. أصوات لا تكاد تسمع ومعزولة شعبيا هي التي تخرج لتقول إن المقاومة الفلسطينية في غزة قد جرت الفلسطينيين إلى كارثة كان من الممكن تجنبها. السبب ليس فقط الحصار المميت الذي يتعرض له القطاع منذ سبع سنوات، ولكن إدراك الفلسطينيين بأن هذه الحرب فرضت على المقاومة من قبل اليمين الإسرائيلي الذي يريد بكل بساطة رؤية راية بيضاء في غزة بعد أن تم إحكام الحصار عليها، لكن السؤال المهم هو كيف ستنتهي الحرب؟
دعونا نُقِر بما نتفق عليه جميعاً بأن إسرائيل تمتلك قوة تدميرية لا يمتلكها أحد في الشرق الأوسط، وبأنها قادرة على هدم غزة فوق رؤوس ساكنيها وبأنها تفعل ذلك منذ عشرة أيام.
لكن أيضاً دعونا نتذكر بأن كل حركات التحرر الوطني في التاريخ المعاصر لم تتمكن من إلحاق خمسة بالمائة من حجم الخسائر التي تعرضت لها هي في صفوف أعدائها.
لكنها بالضبط هذه النسبة الصغيرة وعلى ضآلتها هي التي أجبرت أعداءها على الكف عن عدوانهم.
في فيتنام فقدت أميركا ما يقرب من خمسين ألف جندي مقابل مليونين من الفيتناميين وغادرت بعقدة لم تتحرر منها إلى اليوم.
وفي العراق لم تصل خسائر "تحالف الدول" التي احتلت العراق خمسة آلاف جندي مقابل أكثر من ثلاثمائة ألف قتيل عراقي وغادروا.
في الجزائر قدم الشعب أكثر من مليون ونصف المليون شهيد مقابل ثلاثين ألف جندي فرنسي وغادروا.
ما نريد أن نقوله إن كل حروب حركات التحرر تتعرض فيها المقاومة لخسائر لا يمكن مقارنتها بخسائر الدولة المحتلة، لكنها تنتهي عادة بانتصار الشعوب التي تريد حريتها لأن معاركها عادلة ولأنها مدعومة من شعبها.
التجارب السابقة مع إسرائيل أيضاً تذهب إلى ما نشير إليه، على الرغم من أن إسرائيل فعلياً لم تتعرض لحرب استنزاف حقيقية طويلة منذ قيامها إلا أن تجربة المقاومة اللبنانية بين العام 1982 و 2000 وتجربة المقاومة الفلسطينية في غزة بين العام 2000 و 2005 تؤكد أن إسرائيل لا تحتمل حروب استنزاف طويلة.
في لبنان لم تخسر إسرائيل أكثر من 750 جنديا خلال ثمانية عشر عاماً من الاحتلال واضطرت للانسحاب دون شروط، وفي غزة لم تتجاوز خسائرها بضع عشرات من الجنود عندما قرر شارون الانسحاب من جانب واحد.
سيقول البعض إن ما يجري اليوم ليس حرب استنزاف ولكنْ حرب على طريقة حرب حزيران على بيروت العام 1982 أو على طريقة حرب تموز على المقاومة اللبنانية العام 2007، وهذا صحيح بالتأكيد.
في الحرب على منظمة التحرير اضطرت المقاومة للخروج من بيروت لأنها أرادت تجنيب مدينة ليست لها ويلات الدمار.
دعونا فقط نتذكر بأن إسرائيل لم تتقدم مترا واحدا إلى داخل بيروت المحاصرة طيلة 80 يومياً تعرضت فيها المقاومة لقصف جوي كان يمتد لعشر ساعات يومياً أحياناً.
لكن في الحرب على لبنان العام 2006، قاتلت المقاومة اللبنانية بين شعبها، وبالرغم من حجم الدمار الذي لحق بجنوب لبنان وبالضاحية الجنوبية من بيروت إلا أن المقاومة خرجت من الحرب منتصرة بعد أن تمكنت من تثبيت قوة ردع لا ترغب إسرائيل في إعادة اختبارها.
لهذا يصمد وقف إطلاق النار مع المقاومة اللبنانية ولهذا أُجبرت إسرئيل على تحرير آخر أسير لبناني تفادياً للانجرار مرة أخرى إلى الحرب مع المقاومة.
المقاومة الفلسطينية في غزة لا تتمتع بما تمتعت به شقيقتها في لبنان، لا توجد لديها دولة داعمة على حدودها تعينها على الصمود، ولعل ذلك هو ما شجع إسرائيل على العدوان على غزة أربع مرات خلال سبع سنوات.
في المرات الثلاث السابقة وافقت المقاومة على تهدئات لم تضمن لغزة رفع الحصار.
قد تكون الأسباب سياسية منها أن المقاومة كانت تأمل بأن وجود قيادة سياسية داعمة لها في مصر بعد حرب العام 2012 ستؤدي في نهاية المطاف لرفع الحصار.
وقد تكون الأسباب لوجيستية بمعنى أن المقاومة لم تكن تملك قوة ردع كافية للاستمرار في حرب طويلة ومفتوحة مع إسرائيل.
أياً كانت الأسباب فإن الموافقات السابقة على التهدئة لم تضمن رفع الحصار عن غزة ولم تضمن عدم تكرار إسرائيل لجرائمها.
اليوم تشعر المقاومة بأن الحصار وصل إلى أقصى مداه، آخر مساوماتها كانت الموافقة على حكومة وحدة وطنية لعل ذلك يؤدي إلى إنهاء الحصار ومنح غزة القليل من الراحة، لكنها فوجئت بأن مشروع الوحدة لا يؤدي لرفع الحصار.
رواتب موظفي غزة لم تصل لأن إسرائيل حجزت أموال السلطة والأخيرة لم تتمكن حتى من تأمين موقف ضاغط على الحكومة الإسرائيلية يسمح بنقل الاموال لغزة من دول أخرى عن طريق البنوك.
ثم جاءت المفاجأة الثانية ببقاء معبر رفح مغلقاً وكأن القيادة السياسية الجديدة في مصر ليست راغبة في تشجيع وحدة الفلسطينيين بتسهيل الحركة على المعبر.
وجاءت المفاجأة الثالثة بالحملة الإسرائيلية على "حماس" في الضفة باعتقال قادتها واعتقال الأسرى الذين تم تحريرهم وفق صفقة يفترض احترامها لأنها تمت برعاية دول عدة، أهمها مصر، وتبع ذلك عمليات قتل لعناصر من المقاومة في غزة.
هذا الضغط ولد قناعة لدى المقاومة بأن إسرائيل تريد استغلال الظروف الإقليمية وتحديداً التغير السياسي الذي حدث في مصر لتعزيز الخناق على القطاع، وهو ما يدفع المقاومة اليوم لخوض معركة استنزاف لم تحدد هي بدايتها، لكنها تدرك أيضاً بأنها مضطرة لها إذا ما أرادت الخلاص من الحصار المفروض عليها.
قوة الاحتلال غاشمة، لكن حرب غزة بالنسبة له ليست حرب وجود، هو يطيل القصف والتدمير ليس بهدف إخضاع المقاومة وليس رغبة في إعادة احتلال غزة، وإنما لإحداث قدر من الدمار في غزة يجبر المقاومة على التفكير ألف مرة قبل قيامها بقصف الداخل الإسرائيلي.
سياساته التي تعمل بالتنسيق مع آخرين لمنع المقاومة من تطوير قدراتها لن تتغير، لكن في نهاية المطاف لن يمانع الاحتلال من اتفاق يحمي الجبهة الداخلية له من صواريخ المقاومة مقابل رفع الحصار عن غزة.
تسهيل حياة الفلسطينيين في غزة في آخر حسابات إسرائيل ليست خسارة كبيرة مقابل الهدوء الذي يمكن أن تنعم به.
لكن قبل أن تقبل إسرائيل بذلك عليها أن تراكم الدمار والخراب في غزة لإشغال المقاومة في قضايا إعادة الإعمار وتوفير الكهرباء والمياه والصرف الصحي للناس.
في حسابات المقاومة إسرائيل ستحدث دماراً هائلاً في غزة، لكنها لن تكون قادرة على الصمود طويلاً أمام استنزاف جبهتها الداخلية وستكون في نهاية المطاف معنية بالتهدئة، لكن وعلى عكس الحروب السابقة مع المقاومة في غزة، ستكون هذه المرة وفق شروط تضمن فيها المقاومة رفع الحصار وتحقيق قدر من الردع يجعل إسرائيل تفكر كثيراً قبل استباحة غزة من جديد.
لهذا، مثلما إسرائيل معنية بإطالة الحرب لإحداث قدر عالٍ من الدمار لغزة، المقاومة معنية بإطالتها لإحداث قدر عالٍ من الهزيمة النفسية لإسرائيل لترسيخ قوة ردعها.
لا يوجد لدي شك بأن هذه الحرب ستنهي حصار غزة وستمكن المقاومة من ترسيخ قوة ردع مثلما فعل حزب الله في لبنان، لكنها بالتأكيد لن تكون آخر حروب الفلسطينيين لأن معركتهم الأساسية هي حول الضفة والقدس.


