سنرتكبُ خطأً قاتلاً إذا اعتقدنا أن الحرب التي يشنها علينا نتنياهو قد انتهت عند حدود المناورات والمساومات المطلوبة لتثبيت وقف إطلاق النار.
وسنرتكبُ خطأً قاتلاً آخر إذا اعتقدنا أن حدود المناورات الداخلية الفلسطينية الفلسطينية هي حدود هذه الحرب والأبعاد التي تنطوي عليها.
وقد نرتكب الخطايا الأكبر في هذه المرحلة إذا اعتقدنا أن لدى مصر أية أغراض خاصة سوى وقف المذبحة التي تعدّ لنا على "مهل" في الدوائر الإسرائيلية الأمنية والعسكرية والسياسية على حدٍ سواء.
إذا مرت الأيام القليلة دون أن نصل إلى صيغة "ما" للموافقة المشروطة على وقف لإطلاق النار، وإذا لم نحسن التصرف بانتقال المعركة من دائرة القصف إلى دائرة شروط وترتيبات وقف إطلاق النار فإن الخارطة الحالية في إسرائيل ليس أمامها سوى الذهاب إلى معركة فاصلة يكون فيها اللحم الفلسطيني هو سيّد المشهد.
وإذا ما حشر نتنياهو ووضع في موقف الاختيار ما بين خسارة دوره ومكانته وما بين ارتكاب أكبر مجزرة في قطاع غزة فإن خيار نتنياهو محسوم سلفاً ومعروف ولا يحتاج إلى ذكاء خاص لاستنتاجه.
وإذا ما "أصرّت" فصائل المقاومة وخصوصاً حركة حماس على تقديم (دورها) على الأولوية الوطنية المطلقة بمنع المجزرة فإن الثمن سيكون باهظاً على الكل الفلسطيني وأكبر من حدود التصور المرئي حالياً.
بكل صراحة وبساطة ووضوح أقول إنني أشتم رائحة المعركة الداخلية على التمثيل وعلى السيطرة وعلى التحكم أكثر بكثير مما أشتم رائحة معركة مقاومة للاحتلال ومشاريعه.
وبصراحة ووضوح أقول إنني بت أخشى على نظامنا السياسي بكل مكوناته وعلى مشروعنا الوطني في أهم مفاصله من محاولات تشتيته لصالح الدور الإيراني والتركي والقطري ولصالح جماعات الإسلام السياسي التي هزمت على أعتاب القاهرة وترى أن الفرصة سانحة للعودة إلى دور ما أو أدوارٍ ما عبر البوابة الفلسطينية حتى ولو كان الدم الفلسطيني هو الثمن والأضحية المطلوبة.
وأخشى أن يكون نتنياهو قد قرأ هذه المعادلة قراءة دقيقة وألحقها بقراءاته الخاصة حول هذه الفرصة من موقع هشاشة الوضع الداخلي الفلسطيني ودمار وتفكك الوضع العربي وعدم جاهزية الوضع الدولي "بعد" للتصدي له وإرغامه على حل سياسي متوازن.
ولذلك بصراحة ووضوح أرى أن ما يروج حول أن إسرائيل "تغرق" في دمها ومرعوبة على مستقبلها وأنها لن تصمد طويلاً في ظل الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها وأن قبتها الحديدية ليست إلا "خدعة" إعلامية أو غيرها من "الوعي" الشعبوي الذي يسود هذه الأيام في الأوساط الإعلامية المحسوبة على تيارات الإسلام السياسي وبعض القوى الملحقة بها... إن ما يروج بهذا الصدد على الرغم من أن شيئاً منه على درجة من الأهمية ودرجة من الصحة، أيضاً، هو بمثابة خداع للنفس قد ندفع ثمنه غالياً إذا لم نحسن استخدامه في وقف المجزرة بدلاً من تسليح نتنياهو للإمعان فيها وإعطاء الحكومة الإسرائيلية المبررات الكافية للإقدام على فصولها القادمة بغطاء كامل.
عسكرة الصراع مع نتنياهو وتخويف الإسرائيليين ليست السياسة الأكثر حكمة على الإطلاق.
اليمين المتطرف هو القادر الوحيد على استثمار هذه العناصر للبطش بنا والفتك بأهلنا في قطاع غزة.
إن ما يحتاجه شعبنا هو وقف هذه المجزرة أولاً، وسحب الغطاء من نتنياهو ثانياً، والعودة إلى حوار استراتيجي فلسطيني شامل لتقييم المرحلة الجديدة ودفع أسس جديدة لإعادة بناء كامل النظام السياسي قبل فوات الأوان إلاّ إذا كان البعض يرى أن ما يهدف إليه هو القضاء على هذا النظام والقضاء على كل المشروع الوطني لحساب مشاريع أخرى.


