من الصعب عزل العدوان الإسرائيلي على الضفة، وقطاع غزة، عن الأفق السياسي الذي ينبغي أن يتوّج الحرب بكل مجرياتها وتداعياتها وتفاصيلها، وآلامها، في ظاهر الأحداث التي اندلعت قبل أحد عشر يوماً، ضد قطاع غزة، تبدو الأمور وكأنها محكومة لحسابات الطرفين الإسرائيلي، الذي بدأ العدوان أو تورط فيه، وفصائل المقاومة التي استعدت جيداً للتصدي والمجابهة على قدر من الكفاءة لم يحصل من قبل.
في الواقع فإن الحسابات المحلية، والأهداف المرسومة من قبل الطرفين، تخضع في نهاية الأمر، للحسابات الإقليمية والدولية، وتوازنات القوى، التي تصبُّ في اتجاه إنضاج المنطقة، للدخول في كادر السياسة التي ترسمها، وتسعى إليها الولايات المتحدة أساساً والاتحاد الأوروبي، بما أنه القوة الشريكة والرديفة للجهد السياسي الأميركي.
بإمكان الأطراف أن تذهب إلى المدى الذي تستطيع في خوض هذا الصراع الدامي، ولكن عليها في نهاية الأمر أن تنضبط تحت سقف السياسة والحدود التي ترسمها الولايات المتحدة.
صحيح أن الإدارة الأميركية أجازت مؤخراً لإسرائيل أن تفعل ما تشاء ضمن منطق الدفاع عن مواطنيها، وباعتبار ذلك حقا لها بحسب تقاليد السياسة الأميركية، لكن إسرائيل تفهم أن لتصرفها حدودا لا ينبغي تجاوزها وبأن عليها أن تدفع لاحقاً ثمن ما تقوم به بناء على هذا التفويض. وعملياً فإن إسرائيل تقيد نفسها بنفسها، إذ عليها أن تحسب حساب ومآلات سلوكها، الذي لا ينبغي أن يتجاوز سقف الهدف الإسرائيلي الذي يرى ضرورة الاحتفاظ بمعادلة إدامة الانقسام، وإفشال المصالحة. هذه المعادلة التي تفترض وتستدعي بقاء حماس قوية في قطاع غزة، وإضعافها إلى أبعد حد في الضفة، وبقاء السلطة وفتح قوية في الضفة وضعيفة إلى أبعد حد في قطاع غزة.
هذه المعادلة التي تحكم وتائر العدوان الإسرائيلي ضد القطاع، وتمنع إسرائيل من إعادة احتلال القطاع، أو اجتياحه بعملية برية شاملة تستهدف القضاء على حركة حماس، هذه المعادلة، تقف في الضد تماماً من الرؤية الأميركية والأوروبية، التي تسعى من أجل تطبيق رؤية الدولتين.
الانقسام الفلسطيني الذي تعمل إسرائيل على تعميقه وتأييده، يشكل خطراً على رؤية الدولتين، ولذلك كان الموقفان الأميركي والأوروبي، مؤيدين بحذر المصالحة الفلسطينية، ولحكومة الوفاق الوطني، التي يفترض أن تكون إحدى مهامها غير المعلنة وغير المباشرة، تطويع حركة حماس وحركات المقاومة لجهة تسهيل انخراط السلطة في مفاوضات، يمكن أن تؤدي إلى تسوية.
اليوم تبدو الأمور واضحة أكثر من أي وقت مضى، حين أخذت الأوضاع، تنضج باتجاه تحقيق اتفاق تهدئة، تريده إسرائيل طويل المدى لضمان عزل قطاع غزة عن كل ما يجري في الضفة الغربية والقدس، وتريده المقاومة وحركة حماس، سبيلاً، لتحقيق إنجازات تتصل برفع الحصار، وفتح المعابر وإعادة تأكيد حضورها بقوة في المشهد السياسي الفلسطيني والإقليمي، ومحاولة تعديل ميزان القوى الفلسطيني، في إطار المصالحة.
التحرك المصري الذي اتخذ شكل مبادرة لوقف إطلاق النار، جاء تتويجاً لتحركات دولية وعربية وإقليمية، جاءت لتؤكد الدور المركزي لمصر، وربما الدور الحصري في القيام بدور كهذا، لا يمكن أن تنافسها عليها أية دولة أخرى لا قطر ولا تركيا ولا غيرها.
ينبغي أن يكون واضحاً لكل من يعمل في السياسة، أن البحث عن طرف آخر غير مصر، سيفهم على أنه محاولة للتحرش السلبي بمصر، وشكل من أشكال الاحتجاج غير المحمودة عواقبه.
مهما كانت التحفظات على المبادرة المصرية، وقد ساقت فصائل المقاومة في قطاع غزة، بعض هذه التحفظات، فإن هذه التحفظات ستزيد الأمر سوءاً إن ذهبت باتجاه البحث عن بدائل سواء برفض المبادرة ومواصلة إطلاق النار، أو بالبحث عن دول أخرى للتوسط بأمل تحقيق بعض الإنصاف، التي ترى فصائل المقاومة غيابه عن المبادرة المصرية.
المبادرة المصرية، تحظى بتبني ودعم المجموعة العربية، التي اجتمع وزراء خارجيتها في القاهرة، بعد إطلاق المبادرة، وتحظى بدعم وغطاء دولي، فضلاً عن أن حكومة الوفاق الفلسطينية أعلنت تأييدها لها.
هذا يعني أن الموقف الذي اتخذته الفصائل التي رفضت المبادرة وأعلنت أسبابها لذلك، هذا الموقف في وضع صعب، ويكاد يكون معزولاً، إلاّ من دعم بعض الأطراف الثانوية في اطار القدرة على التأثير في مجريات الحدث.
إسرائيل التي استقبلت المبادرة المصرية بالموافقة، كانت تسعى لقلب الطاولة في وجه فصائل المقاومة، والتمهيد، لتصعيد لاحق، يتوفر لديها الغطاء الدولي له، ذلك أنها أمام الرأي العام العالمي، وافقت على المبادرة، لكنها عملياً، لم تتوقف عن توجيه أشدّ الضربات.
خلال اليوم الثاني للمبادرة، حيث كان يفترض حسب المبادرة وقف إطلاق النار على الساعة التاسعة صباحاً يوم الثلاثاء، قامت إسرائيل بتدمير أكثر من ثلاثين منزلاً منها منازل لقيادات سياسية من "حماس" و"الجهاد" بما في ذلك منازل الدكتور محمود الزهار، ووزير الداخلية السابق فتحي حماد، وعضو المجلس التشريعي إسماعيل الأشقر.
كما استهدفت الضربات الإسرائيلية نحو خمسة عشر مناضلاً، وعشرات الجرحى، رغم ما يمكن اعتباره هدوءاً نسبياً بالقياس لوتائر العدوان والقصف خلال الأيام التي سبقت.
على كل حال ثمة وقت أمام الجهود الرامية، لتحقيق وقف إطلاق النار بسبب محدودية الخيارات، ولكن ثمة حرصا أيضاً ممن يمسكون بخيوط العملية السياسية، على أن لا يخرج طرف منتصراً. المقاومة قد تشعر بالغبن، وعدم الإنصاف، أما إسرائيل، فإن مرحلة ما بعد التهدئة ستظهر مدى عمق الأزمة التي تعاني منها حكومة نتنياهو، وكان أول مؤشراتها إقدام رئيس الحكومة على إقالة نائب وزير الدفاع، رئيس اللجنة المركزية في حزب الليكود، داني دانون، ومن غير المستبعد أن يكون نتنياهو أحد أبرز ضحاياها.


