خبر : المخرج توحيد الإرادة الوطنية ...بقلم: علي جرادات

الأربعاء 16 يوليو 2014 11:30 ص / بتوقيت القدس +2GMT



هدم البيوت وإحراق قاطنيها المدنيين أحياء في غزة يرفع ارتكابات الاحتلال من مستوى العقوبات الجماعية إلى مصاف فظاعات الإبادة الجماعية التي ارتكب جيش الاحتلال ما لا يحصى منها بحق الشعب الفلسطيني وشعوب عربية أخرى، أولها الشعب اللبناني.
فإسرائيل، "واحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة"، لم تفرِّق في حروبها يوماً بين مقاومين فلسطينيين يقاتلون من موقع الدفاع عن شعبهم وحقوقه العادلة والمشروعة، وبين مدنيين عُزَّل ذنبهم الوحيد أنهم فلسطينيون يتمسكون، ككل بني البشر، بحقهم الطبيعي في العيش بحرية وكرامة.
وإسرائيل، "الدولة القلعة"، التي ما أن تنهي حرباً حتى تبدأ الإعداد لحرب قادمة، لن تعدم الذريعة لشن المزيد من الحروب والاعتداءات من موقع الهجوم والعدوان. ما يعني أن مشكلة فلسطينيي غزة مع الاحتلال وجرائمه وفظاعاته لم تبدأ بطور الإبادة الجماعية القائم، ولا هي منفصلة عن استباحات الاحتلال الشاملة لفلسطينيي الضفة، وقلبها القدس، وآخرها جريمة اختطاف عصابة من المستوطنين للفتى أبو خضير وإحراقه حياً، ولا عما يرتكب بحق فلسطينيي 48 من تطهير عرقي مخطط متصاعد، ولا عما يتعرض له فلسطينيو الشتات من إعادة تهجير وتشريد وتقتيل وتجويع. ماذا يعني هذا الكلام؟
إن جولة العدوان القائمة على غزة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، ما دام الاحتلال قائماً، وما دامت حكوماته ماضية في استباحتها لكل ما هو فلسطيني، بما لا يترك متسعاً لأية إمكانية لتسوية الصراع، ما يعني أن العودة إلى تيه سبع سنوات خلت من تحويل الخلافات الفكرية السياسية في أوساط الشعب الفلسطيني إلى انقسامات بين مكوناته، وتجاهل أن التناقض الأساس هو بين الهوية الوطنية الفلسطينية والمشروع الصهيوني، إن هو إلا تناسٍ لحقيقة أن الأولوية الوطنية، أعني إنهاء الاحتلال، هي الحلقة المركزية التي بالقبض عليها يجري القبض على الأولويات الفرعية التي تبدأ ولا تنتهي عند تأمين رواتب 170 ألف موظف، ورفع الحصار عن غزة، وتخفيض معدلات الفقر، وتقليص معدلات البطالة، وتحسين القطاع الصحي والتعليمي و....من المعضلات التي تثقل كاهل الفلسطينيين، وكاهل الفقراء منهم خصوصا. أما لماذا؟
الجرائم التي يرتكبها منذ 12 حزيران الماضي جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية وعصابات مستوطنيه بحق المدنيين الفلسطينيين ليست مجرد جرائم حرب ترتكبها عصابة بمسمى حكومة يقودها نتنياهو، إنما جرائم نظام سياسي صهيوني يحركه فكر عنصري جوهره شذوذ الاعتقاد بتميز العرق ودونية "الأغيار"، ويشجعه على ارتكاب المزيد من جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المخطط رعاية استعمارية غربية بقيادة أميركية، وعجز رسمي عربي، وتواطؤ متعدد الأوجه والجنسيات والأهداف والأغراض أيضاً.
وللعالم أن يتذكر أن العدوان القائم على غزة، مثله مثل كل حروب إسرائيل واعتداءاتها السابقة، وما أكثرها، لم يكن ليرتقي لمصاف فظاعات الإبادة الجماعية لولا ما توافر، ولا يزال يتوافر، للنظام الصهيوني العنصري العدواني التوسعي من رعاية وتواطؤ وصمت، ذلك منذ إنشاء إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني في إطار أكبر عملية سطو سياسي وتطهير عرقي مخطط في التاريخ الحديث، إلى توسعها واحتلالها لما تبقى من أرض فلسطين والجولان السوري وسيناء المصرية، إلى إعلانها ضم القدس الشرقية والجولان، إلى استكمال مخططها الاستيطاني التهويدي في الضفة وغزة.
بهذا كله وقعت الخطيئة ذاتها التي ارتكبها العالم عندما تأخر لأكثر من عقد من الزمان في التوحد لمواجهة النظام النازي الطافح بالتطلعات الإمبراطورية وشذوذ الاعتقاد بتفوق العرق ودونية الأعراق الأخرى.
إذ صحيح أن توحد النظامين الاشتراكي السوفييتي والرأسمالي الليبرالي الغربي في الحرب العالمية الثانية هو ما هزم ألمانيا النازية كنظام عنصري أنتج نخبة كادت تسيطر على البشرية ومقدراتها، لكن، تأخر تشكيل ذاك الائتلاف العالمي عن سحق نظام النازية في مهده هو ما رفع ضريبة إزاحته من التاريخ، وأعطاه فرصة ارتكاب ما لا يحصى من الموبقات والجرائم والمجازر والفظاعات، منها جريمة إحراق بعض أتباع الديانة اليهودية أحياء، كواحدة من جرائم العصر المعدودة التي لم ينقطع جيش الاحتلال الصهيوني منذ إنشائه عن ارتكاب ما هو مماثل لها، وربما أبشع منها، وصولاً إلى ما يرتكبه ورديفه، قطعان المستوطنين، منذ أسابيع بحق المدنيين من فلسطينيي الضفة وقلبها القدس، وإلى ما يرتكبه منذ تسعة أيام من "محرقة" مكتملة الأركان بحق المدنيين والأطفال والمسنين في غزة. وكل ذلك على مرأى من هيئة الأمم التي لم تتحرك، كما لم تتحرك من قبل، إلى توفير حماية دولية مؤقتة للشعب الفلسطيني كخطوة انتقالية على طريق إنهاء الاحتلال بمظاهره العسكرية والاستيطانية والاقتصادية لتمكين هذا الشعب من ممارسة حقه الطبيعي والمشرع في تقرير مصيره بنفسه أسوة بباقي شعوب العالم.
ودون ذلك فإن من الوهم ضمان عدم تجدد فظاعات الإبادة الجماعية القائمة بحق المدنيين الفلسطينيين في الضفة وغزة. بل إن كل من يتصور أن "وقف إطلاق النار" في غزة، وفق معادلة "هدوء مقابل هدوء"، قادر على تمهيد طريق إنهاء الاحتلال، إنما يتناسى أن تصعيد جرائم جيش الاحتلال الصهيوني وعصابات مستوطنيه في السنوات الأخيرة، كان تعبيراً عن توجهات جادة لتجديد المشروع الصهيوني كمشروع استعماري استيطاني إحلالي إقصائي، وعن أن الاستيطان في تراكمه على مدار 47 عاماً تحول إلى حالة كيفية لها قسماتها الخاصة المتواشجة مع سعار سياسي أيديولوجي يعكس تحولات يمينية عنصرية بنيوية، أخطرها انتقال عدد من سكان المستوطنات إلى مركز صناعة القرار الإسرائيلي، سياسياً وعسكرياً وأمنياً وتشريعياً، حيث صار لهؤلاء المستوطنين أكثرية داخل مكتب نتنياهو، وستة وزراء ونواب وزراء، و16 عضو "كنيست"، علاوة على أن ثلث الرتب العسكرية المتوسطة في الجيش الإسرائيلي بات يشغله لأول مرة مستوطنون ينتمون للتيار الصهيوني الديني، وأن عددا آخر منهم بات يتولى مناصب عسكرية وأمنية رفيعة.
ولا عجب، ما دام "الاستيطان جوهر الصهيونية"، وما دام مشروعها يستهدف الأرض وإزاحة البشر الفاعلين عليها، ما جعل الدفاع عن الأرض وحمايتها محور قرنٍ من كفاح الشعب الفلسطيني الذي لم ينجح، لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، في الحفاظ على هوية الأرض بمنطق السيادة السياسية وحتى الوجود الجغرافي، حيث لم يبق بيد الفلسطينيين من أرضهم سوى 15%.
لكن تمادي حكومة الاحتلال القائمة لم يكن ليكون بهذه الحدة لولا ما عاشته النخب السياسية الفلسطينية في السنوات الأخيرة من انقسامات مدمرة ورهانات فاشلة لم تمكنها من بناء استراتيجية وطنية واحدة للدفاع عن الأرض وحمايتها وتعزيز صمود أهلها عليها.
وليس مبالغة القول: إنه بمقدار ما أن راهن المشروع الصهيوني واضح في أهدافه تجاه الأرض واستيطانها وتهويدها بمقدار ما أن راهن المشروع الوطني الفلسطيني ملتبس ومشوش، بل وتسود أطره القيادية حالة من الارتجالية والتنابذ والاحتراب القائمة على مصالح نخبوية وفئوية ضيقة لا علاقة لها بالأرض والشعب وما يتعرضان له من استباحة شاملة ومخططة يمكن الرد عليها سياسياً وميدانياً. كيف لا؟ ألم يترك جزء كبير من المستوطنين بيوتهم يوم كان الصف الوطني الفلسطيني موحداً وفاعلاً إبان الانتفاضة الأولى، وبنسبة أقل إبان الانتفاضة الثانية؟ ثم أليس من شأن توحيد الإرادة الوطنية الفلسطينية، بما تحتويه من تباين وتنوع، وتوافقها على إعادة ملف الصراع إلى هيئة الأمم، ودعوتها إلى توفير حماية دولية مؤقتة على طريق إنهاء الاحتلال، وتقديم شكوى إلى محكمة الجنايات الدولية، أن يلجم فاشية حكومة نتنياهو، ويشل يدها عن ارتكاب المزيد من جرائم الحرب الموصوفة، وفظاعات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المخططة التي بلغت درجة هدم البيوت على رؤوس المدنيين والأطفال والمسنين في غزة، واختطاف الأطفال وإحراقهم أحياء في الضفة وقلبها القدس؟

- See more at: http://www.al-ayyam.ps/article.aspx?did=243451&Date=#sthash.57xk0Fto.dpuf