في هذه اللحظة وعند هذه الذروة المتصاعدة من الحرب ولم تضع الحرب بعد أوزارها، فإنه قد لا يكون من الجائز للتحليل والأحداث ما تزال جارية، ان يصوغ استنتاجات مبكرة. شيء من الهدوء والتأمل بينما الانفعال العميق الذي يضفي على الموقف غلبة العاطفة؟ نعم هو كذالك برغم ما يكتنف الموقف من تناقض، ولذا سوف أكتفي هنا ببعض التأملات التي يمكن ان تكون اقرب الى العناوين او الرسائل الموجزة، كخلاصات آخر الكلام. وحيث حين تبدأ الحرب لا يعود هناك متسع كبير للكلام، حين يكون المشهد هو الخفقان العظيم للتاريخ، وإننا اليوم بإزاء هذا الخفقان وفي ذروته الجارفة حقا عما قريب للاحتلال الإسرائيلي، والإلقاء بهذا الاحتلال وجبروت قوته الى مزابل التاريخ جنباً الى جنب مع كل أشكال الاستعمار البائد والقديم.
فهذه هي ذروة القصف البساطي على فيتنام التي سبقت هزيمة الأميركيين وتحرير سايغون، وان غزة اليوم هي التي تلعب دور هانوي، وان الخنادق الفيتنامية حيث الفيتكونغ بالخنادق هي التي يقابلها أنفاق القسام، ولم ينجح كل القصف الأميركي في تحطيم هانوي وليس بمقدور القصف الإسرائيلي لبيوت الغزيين أن يحطم غزة. وهذه هي القاعدة الأولى التي يمكن ان تنبني عليها نتيجة الحرب.
1- ان الجيوش الصغيرة يا إسرائيل، الجيوش الصغيرة الأكثر تنظيما واستعدادا للقتال، انما هي التي تنتصر على الجيوش الكبيرة. وهكذا كنتم في العام 1967 ولكن هكذا تنقلب الأدوار في حروبكم الأخيرة مع الجيوش الشبكية للقوى الجديدة الصاعدة، خصوصاً في الشرق الاوسط من خارج الجيوش الدولانية التقليدية: فتح 1982 في لبنان وحزب الله 2006 و"حماس" اليوم.
2- تنتصر الجيوش الصغيرة حسنة الاعداد والتدريب على الجيوش الكبيرة لأنها أكثر إدراكا لعوامل ضعفها وقصورها، وتداركا للتعويض عن هذا النقص بالقدرة على تنظيم الأعداد الصغيرة في الميدان، وبالفطنة والجرأة على مباغتة الخصم وإخفاء قوتها تحت الأرض، حتى تصبح ضربات العدو المتفوق بالنيران كأنها خبط عشواء، بينما تهزم الجيوش الكبيرة لأنها اكثر غرورا وافتخارا بقوتها وثقة بالنصر، وهو ما عبر عنه ارسطو مبكراً الذي كان استاذ الاسكندر المقدوني، ويستشيره وهذا الأخير الذي هو واحد من اعظم الاستراتيجيين في كل صغيرة وكبيرة: "أن القوي هو آخر من يعلم بالحقيقة يا اسكندر"، وحين قال نابليون مرة، إن الله يحارب مع الجيوش الكبيرة، فقد ظل يتوجس من هذا الجزء الإلهي اذا كانت الجيوش الكبيرة تذهب الى ميدان الحرب، وهي على ضلال وانحراف عن العدالة الإلهية ومبادئ هذه العدالة الإنسانية.
3- لأجل تحقيق اي عدالة او بنك اهداف سامية تتماهى وعدالة الله والتاريخ يذهب الجيش الإسرائيلي منذ ستين عاما للحرب على الفلسطينيين وهل تحققنا الان ان اسرائيل إنما تمكنت من حسم كل حروبها السابقة لا في مواجهة جيوش حقيقية في الميادين، وإنما بهذا القتل المتواصل للمدنيين.
4- هذه لحظة للتأمل في حقيقة التاريخ ومراجعة هذا التاريخ كله، ان اختراع العمليات الإرهابية في هذه المنطقة كان اختراع العصابات الصهيونية المتطرفة ضد بريطانيا والفلسطينيين، بما في ذلك قتل "الرجل النبيل" الكونت برنادوت الذي انقذ يهودا كثر من معتقلات النازي، وقتله اليهودي الإرهابي هنا في القدس لأنه فكر لمجرد التفكير ان يبني وساطته على مبدأ ليس العدالة المطلقة وإنما الممكنة.
5- وهذه لحظة للتأمل الى الذروة التي وصل اليها هذا التطرف برفض حتى العدالة المنقوصة، التي قبل بها الفلسطينيون 22% من فلسطين، ولكن سليل مناحيم بيغن واسحق شامير الذي قتل برنادوت، ومن معه على يمين شارون دفع الصراع بالأخير للعودة الى بداياته الأولى الى اصله.
6- نحن نعود اليوم 66 عاماً الى العام 1948 وها هو المشهد: ان الييشوف اليهودي يحل مكان الاحتلال البريطاني لكل فلسطين، ولكن مع فارق ان هذا الييشوف وقد اصبح هو القوة المسيطرة على كل فلسطين، فإنه أعاد توحيد الجغرافيا والأرض والمشهد بحيث يبدو الفلسطينيين جميعا متواجدين، ولكن محشورين ومضغوطين تحت سقف واحد في مواجهة أقصى اليمين الصهيوني.
7- شكراً بنيامين نتنياهو، واجب الوقت يقتضي منا ان نشكرك، فأنت لم تعمل على مساعدة فتح وحماس على إنهاء هذا الانقسام بين الضفة وغزة، وانما وحدت الفلسطينيين كل الييشوف الفلسطيني بما في ذلك فلسطينيو العام 1948.
8- سياسياً إذن ورمزياً ومعنوياً وتاريخياً تظهر "حماس" وغزة في هذه الحرب بوصفها "البلماخ" الفلسطيني، قوتها الضاربة التي توجه اليوم اللكمات لإسرائيل، وحيث توجه هذه الصفعات المهينة لغرور وغطرسة اسرائيل من اضعف اجزاء هذا الييشوف الفلسطيني من غزة المحاصرة.
9- وهذه لحظة للتأمل في الامثولة والالهام، وهو الأهم في تداعيات هذه الحرب، الذي تقدمه لمجموع الشعب الفلسطيني الموجود في هذا التلاحم السيكلوجي الذي لم يسبق له مثيل، والذي سوف يجعل الفلسطينيين بعد الآن اكثر ثقة بالنفس بقدرهم على النصر على إسرائيل وانهاء احتلالها.
10- لا تقاس نتائج هذه الحرب التي تجري امامنا بما تسجله الصواريخ من سفك الدماء داخل صفوف الإسرائيليين، وهو ما يتحاشاه الفلسطينيون، وانما برمزية هذه الضربات التي ترقى في دلالاتها الاستراتيجية الى مستوى الانتصار في حرب حقيقية.
11- ان هذا يشبه جرأة ذاك الفتى الذي جرؤ على توجيه صفعة على وجه قبضاي الحارة، ورغم الضربات الشديدة التي يوجهها القبضاي المذهول من جرأة هذا الفتى ان يصفعه امام سكان الحارة، فإن هذا الفتى لا يبرح ان يعود ثانية ويوجه لكمة أقوى وأشد منها الى أنفه. لقد انتهى الأمر.
12- ملاحظة أخيرة تتعلق بالاستراتيجية: سيد نتنياهو ما فائدة التوسع الاستيطاني في الضفة اذا كانت الجغرافيا والاستيطان كما لاحظ شمعون بيريس قبل اكثر من عشرين عاماً، بحق لا يمكنها الصمود أمام التكنولوجيا أي الصواريخ؟ ما فائدة هذا التوسع الاستيطاني في الضفة اذا كانت تل أبيب أي العمق الإسرائيلي والمركز يمكن أن يضرب؟ وهذا الاستيطان نفسه المتهور وغير العاقل هو السبب في إحداث هذا الخرق في الداخل الإسرائيلي بدل ان كان الاعتقاد الساذج أنه يشكل عمقاً استراتيجياً لإسرائيل.
لقد أشرنا هنا من قبل الى مأزق الجغرافيا المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، واذا كانت الجغرافيا هذه تحول دون الحسم العسكري في نهاية المطاف لأي من الطرفين فإنها يمكن فقط ان تتسع لعيش الطرفين بسلام . ويمكن ان ترفض لتحقيق السلام اليوم واليوم قبل الغد، مع الرجل الموجود في المقاطعة وليس ثمة سوى خيار آخر، لأنه الوحيد الذي يمكنه تأطير انتصار الفلسطينيين في تسوية يقبل بها الفلسطينيون، وذلك قبل فوات الأوان.
أما التلويح بالتدخل البري، فأنا أقول ان لا احد يقبض هذه المسألة التي قد تتحول الى هزيمة واقعية على الأرض لإسرائيل، وليس مجرد هزيمة معنوية الى الآن. اقبل يا نتنياهو الهزيمة المعنوية أمام "حماس" وغزة اليوم، لأنها اقل خسارة من هزيمة مادية على الأرض.


