بعكس كل الاجتياحات السابقة لغزة والتي كانت تتم على أرضية أسباب معلنة مثل أسر شاليت العام 2007، أو إطلاق فصائل المقاومة لقذائف صاروخية على إسرائيل بهدف كسر الحصار في العامين 2008 و2012، لا يوجد سبب وراء الجحيم البري والبحري والجوي الذي تمطره إسرائيل لغزة اليوم.
عملية خطف وقتل المستوطنين الثلاثة لم يتبين فاعلها الى اليوم ولم تتبناها "حماس" وعلى فرض قيام أفراد منها بهذه العملية، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأن "حماس" كتنظيم تقف خلفها. ثم أنها قد حدثت في الضفة وليس في غزة. أضف إلى ذلك إن حكومة نتنياهو قد قامت وحتى قبل معرفة مقتلهم بقتل ستة فلسطينيين واعتقال المئات، وقام المستوطنون بخطف وقتل فتى القدس أبو خضير علماً بأن حكومة نتنياهو كانت على علم بوجود عصابة تخطط للخطف والقتل ولم تتحرك لمنعهم. حيث أفادت أم مقدسية بتعرض طفلها لمحاولة خطف خلصته هي من أيديهم وأبلغت الشرطة الإسرائيلية بذلك في نفس اليوم، وكان ذلك قبل مقتل "أبو خضير" لكن الشرطة الإسرائيلية غضت النظر عنهم.
لماذا إذاً يجري تدمير غزة اليوم؟
هل هو بهدف منع تنفيذ اتفاق الوحدة بين سلطتي غزة والضفة؟ هل هو
لإحراج الرئيس عباس أمام شعبه؟ هل هو اختبار لقيادة مصر الجديدة؟ أم هو محاولة لمعرفة إمكانيات المقاومة العسكرية؟ كل هذه الأسباب واردة ومحتملة ولكنها على الأغلب ثانوية.
إسرائيل أعلنت الحرب على وحدة غزة والضفة، والعدوان على غزة يوحد الفلسطينيين ولا يفرقهم لأن عدوهم مشترك ويقتلهم في الضفة كما يقتلهم في غزة.
إحراج الرئيس عباس غير وارد أيضاً في معادلة الحرب على غزة. الرئيس عباس سياساته واضحة ومواقفه معلنة ولم يطرأ عليها تغير لا بعد عملية الرصاص المصبوب العام 2008 ولا بعد عملية عمود السحاب العام 2012، ولن يطرأ عليه تغير بعد عملية الجرف الصامد. الرئيس عباس يؤمن منذ ثلاثة عقود بأن طريق المفاوضات هو طريق تسوية الصراع وهو لا يخفي ذلك ولم يحرجه القول في اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية بأن التنسيق الأمني هو مصلحة فلسطينية ولم تحرجه إدانة قتل المستوطنين.
اختبار القيادة المصرية الجديدة. لعل هذا أضعف الأسباب التي تبرر القيام بالحرب على غزة. النظام المصري الجديد موقفه معلن من "حماس"، هو يعتبرها طرفاً في الصراع الدائر بينه وبين الإخوان المسلمين، لهذا شدد الحصار عليها كما لم يفعل نظام مبارك. لا يوجد سبب إذاً للاعتقاد بأن إسرائيل تسعى لمعرفة توجهات النظام الجديد.
لعل إسرائيل إذاً تريد معرفة ماذا تخفي لها المقاومة من مفاجآت "عسكرية" في حال قررت القيام بحرب برية ضدها، لكن إسرائيل تعلم بأن أقصى ما تملكه المقاومة هو مجموعة من الصواريخ التي جربتها سابقاً. وتعلم أيضاً بأن لعنة الجغرافيا لا تمكن المقاومة في غزة من التحول إلى قوة تمتلك إمكانيات حزب الله العسكرية الرادعة.
لماذا إذاً هذا التغول الإسرائيلي
على غزة بدون أسباب واضحة؟
الجواب نجده في تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية. هذه حكومة متطرفة، همها الوحيد الحفاظ على قاعدتها اليمينية الانتخابية من غلاة المستوطنين والمتطرفين الذين يرفضون تقديم أية تنازلات للسلام مع الفلسطينيين. غزة تُقتل اليوم لا لشيء فعلته هي، ولكن لإرضاء المستوطنين في الضفة الغربية الذين لم يكفهم ما قام به جيشهم في الضفة من قتل واعتقالات بعد مقتل المستوطنين الثلاثة ويريدون المزيد، ولأن الضفة لا توفر لحكومة اليمين الإسرائيلي فرصة القصف والتدمير لغياب المقاومة المسلحة، فإن ثمن إرضاء المستوطنين يمكن تحميله لغزة، ولم لا فهي تمتلك صواريخ وفيها "حماس" التي ينظر العالم، العالم الذي يهم إسرائيل فقط ونقصد به الولايات المتحدة، على أنها إرهابية.
لا يوجد سبب آخر يبرر الجحيم الذي تتعرض له غزة اليوم، ليست صواريخها هي سبب مذبحتها ولكنها الرغبة في حماية قاعدة انتخابية صلبة لغلاة اليمين الإسرائيلي، ومن أجل ذلك يمكن قتل المئات والآلاف من فلسطينيي غزة. يساعدهم في ذلك بكل تأكيد ما يجري من حالة تفتت واحتراب أهلي في الإقليم.
الفلسطينيون وفق ذلك، لا توجد لديهم خيارات غير الصمود إلى أن توقف إسرائيل عدوانها. وعندما تقرر دولة الاحتلال ذلك، سنجد الوسطاء من كل حدب وصوب يفاوضون على شروط تهدئة لن تُعيرها إسرائيل أي احترام. لماذا؟ لأنها ببساطة غزة حيث يمكنها أن تقتل وتدمر كما تريد دون أن تدفع ثمناً مقابل ذلك.


