خبر : قتل أبو خضير: ليلة لم يذق الشعب الفلسطيني فيها طعم النوم ...بقلم: حسين حجازي

السبت 05 يوليو 2014 01:36 م / بتوقيت القدس +2GMT



حينما خطف المستوطنون الثلاثة في عملية لم تحل أو تكشف كل ألغازها وأسرارها بعد، ندد الرئيس أبو مازن بها في تصريحات غير شعبوية، واصفاً هؤلاء المستوطنين المخطوفين بأنهم بشر، ولكن حتى حينما تبين لاحقا ان الخاطفين قتلوهم وهو سر كانت تعلمه إسرائيل منذ البداية واخفته عمدا، فإن هؤلاء لم يحرقوا جثتهم وإنما احرقوا السيارة التي كانت تقلهم واكتفوا بإخفاء الجثث تحت التراب. ولكن حتى المتحدثين باسم "حماس" الذين لم يدعوا ولو من باب الافتخار والبطولة مسؤوليتهم عن هذا العمل، إلا أن خالد مشعل ورفاقه لم يجدوا مسوغاً أو تبريراً له ان كان قد حدث، غير النحي باللائمة على بنيامين نتنياهو الذي واصل استفزاز الفلسطينيين في اكثر القضايا التي تمثل جرحا إنسانيا بالنسبة لهم وهي قضية الأسرى. وغاب عن هذا الحديث السياسي والإعلامي الفلسطيني أي إشارة عن الانتقام أو غريزة الدم.
كان هذا درساً وأمثولة لا في نضج ومستوى وعي الفلسطينيين على مستوى النخبة القيادية، ولكنْ تعبيراً واضحاً على تفوقهم النوعي على محور هذه الثغرة على أعدائهم، تفوق شعب لا يعاني عقدة النقص وانما بفائض من الثقة بالذات وقوة النفس، وهو التوازن السيكولوجي في الروح الذي اظهر الفلسطينيون في غضون هذه الأزمة بوصفه الطرف الأكثر حنكة وذكاء من عدوهم، بل والتماهي في أخلاقهم وثقافتهم وسلوكهم مع أسس وقواعد القيم والمبادئ والمفاهيم الانسانية الكبرى، التي تعد اهم انجازات العقل العالمي الحديث. وذلك في اللحظة التي تم فيها ضبط عدوهم متلبسا، وقد كشف من خلف القشرة التي يتستر بها في ادعائه الكاذب والمخادع عن تماهيه مع هذه المرجعية العالمية.
وهكذا لم يعامل نتنياهو وجيشه الفلسطينيين كبشر لا في الخليل والضفة ولا في غزة، وبدلا من الصدق والاستقامة في الكشف عن حقيقة مقتل المستوطنين منذ البداية، وأخفى ذلك لكي يفسح لجيشه المزيد من الوقت لمواصلة الانتقام الغريزي من البشر الفلسطينيين، دون اكتراث بالمشاعر الانسانية للبشر الفلسطينيين في جو اراد افتعاله من ممارسة الرعب والارهاب النفسي على الطريقة السنمائية، وبصورة موازية لذلك ولكي يرسل رسائل سيكولوجية أخرى الى الغزيين، ابقى اجتماعات مجلسه الحربي المصغر في جلسات سرية متواصلة ومفتوحة، وكل ليلة عند السحور لم ينس ان يرسل طائراته لتقصف مواقع في غزة لدب الرعب في اوساط الناس من البشر العاديين. وبقية هذا الأداء الحكومي معروفة حينما اخذ المستوطنون الذين زرعتهم حكومات اسرائيل، على عاتقهم خطف الطفل المقدسي محمد ابو خضير وبعد قتله قاموا بحرق جثته.
هل بعد ذلك بقى شيء يا بنيامين نتنياهو؟ لقد انتصرنا عليك حتى الآن في الاخلاق ومبادئ القوانين الانسانية وفي السياسة وحتى في الاعلام وقبل ذلك في قوة النفس. فهل تريد حرباً ثالثة على غزة في الصيف؟ بدل ان كنتم تذهبوا اليها في الشتاء؟ وحيث يمكن في الشتاء النزول إلى الملاجئ تحت الارض فهل يمكن تحمل الملاجئ في الصيف؟ هذا مجرد سؤال لا يمت لقواعد الاستراتيجية بصلة لكني أظن انه هو السؤال اليوم.
ولكن الواقع ان ما له صلة بحسابات الاستراتيجية ويجعل نتنياهو متردداً ومتخوفاً من الذهاب الى هذه الحرب مع غزة، هو ما يشي في كلام "حماس" حقيقة بأن هذه الجولة مع غزة ان حدثت لن تكون كسابقاتها. أو لعلها التحولات الراديكالية الأخيرة في العراق، اذا كان الاسلام الجهادي اليوم بات يتحصل على مساحة جغرافية وقاعدة عسكرية ولوجستية اكبر من قاعدة افغانستان على تخوم اسرائيل. وحيث ينصب ابو بكر البغدادي بخلاف ما فعله أسامة بن لادن نفسه كخليفة ووصي على المسلمين.
إن مكر التاريخ هنا في هذه القصة لا يفتأ يواصل الهزء والسخرية من واضعي الاستراتيجيات الكبرى في هذه المنطقة، فبعد غياب فزاعة محمد مرسي في مصر يحل ابو بكر البغدادي، وبعد فشل البعث السوري والعراقي في توحيد الهلال الخصيب وبعد المغامرة على سورية هاكم الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام، وإذا خرجت مصر العام 1979 من العراق بعد اتفاقية كامب ديفيد ينشأ آية الله الخميني في ايران، واذا ازيل ياسر عرفات من لبنان ينشأ حسن نصر الله في جنوب لبنان، وإذا ازيل خطاب محمود عباس السلمي اليوم، فإن الانتفاضة ما قبل اوسلو الشعبية والحربية تماما، والتي بدأت ترتسم خطاها من القدس هذه المرة من شعفاط هي موجة الفلسطينيين الثالثة.
إننا نقف وإياكم يا إسرائيل عند لحظة تدفيع الثمن حقا عند لحظة تصفية الحساب المؤجل والمتراكم منذ زمن، وما عاد للفلسطينيين حتى حائط يسندون إليه ظهرهم، لقد بلغ التراكم الغضب والغليان المتصاعد في طنجرة الضغط نقطة الصفر او القفزة النوعية التي يتحدث عنها الديالكتيك الماركسي، ويصفها بأنها لحظة الثورة او الأزمة العنفية الكبرى. وما عاد لنا وقد طفح الكيل ما نخسره، وإذ لم يعد لنا ما نخسره، فإن كل شيء نقدم عليه الان او نفعله يسجل في خانة الربح لنا. لم يعد لنا خيار آخر مكرهين لا أبطال، قد يكون الأمر على هذه الشاكلة لكنه هذا هو الوضع الذي يمثل ذروة الاستراتيجية وافضل النظريات الذي يتحدث عنها كلاوزفيتز، ولأننا نقرأ التاريخ اكثر منكم ولم تعودوا سوى مجموعة من الجهلة، فإن هذه هي اللحظة التي لا يمكن التنبؤ بها مسبقا، وقد لا يكون ما حدث هو العامل الرئيسي وانما هو القشة التي يتحدث عنها العرب في أمثالهم. إذ إن ذيلاً طويلاً سيئاً من تراكم الضغوط علينا، بالنهاية هو الذي يؤدي الى هذا التحول الراديكالي الذي يبدو أمامنا الآن.
تراكم طويل من القتل والقصف والتنكيل والاعتقال الإداري والكشف العاري والحصارات والمماطلة في المفاوضات والاغتيالات والعربدة واقامة المستوطنات، ضد شعب حر يأبى بثقافته واعتداده بنفسه وكرامته ان يسلم ويرفع الراية. شعب هو اعرق الشعوب التي سكنت هذه الأرض، لا يحتاج ان يسوق ادعاءات تاريخية ومريضة حول نفسه، ولكنه اكثر رقيا في جماع ذكائه من عدوه، والاهم من ذلك ان هذا العدو وعلى مدى ستين عاماً لم يستطع قهره.
لقد بدأت الساعة الكبيرة على الحائط تدق وعندما تبدأ هذه الساعة تحركها لا يعود بمقدورها العودة الى الوراء، الى الوضع الذي كان سائداً من قبل. انها اللحظة التي تسمع فيها صدى طرقات القدر العنيفة على الأبواب باب التاريخ، واذ جرى هذا التحول كانعكاس شرطي على عنف وشدة الاندفاعة الإسرائلية لليمين المتطرف في العودة الى استحضار كل اشكال وصور واساليب الانتقام البدائي البربري والوحشي، في عصور ما قبل المدنية، أي الدفع بهذه السياسة المبنية على الانتقام وليس على قواعد سياسية متعقلة الى حوافها القصوى، وهو ما يعكس حقيقة الإفلاس السياسي الذي وصل إليه الاحتلال وانكشاف لحظة احتضاره وموته الأخير. فإنه وقد بلغ هذا الطور الاقصى بإلقاء أوراقه على الطاولة واستنفاد كل الذخيرة التي في جعبته، فإنه لم يبق وقد ألقى بالقفازات أمام خصومه، اي نحن الشعب الفلسطيني كله دون تفريق او تمييز بيننا، سوى الذهاب الى مقابلته في هذا التصعيد عند منتصف الطريق. وحيث يتبلور اليوم ثلاثة لاعبين في المعسكر الفلسطيني بعد ان كانت اللعبة داخل هذا المعسكر تقتصر على لاعبين اثنين، هما أبو مازن و"حماس"، بعد ان قرر عوام الشعب "حزب العوام" الدخول كطرف مباشر ممثلاً بالأصالة عن نفسه على الجلبة كما فعلوا العام 1987. وحيث كان عرفات لا يزال في المنفى و"حماس" لم تولد بعد.
وعلى وقع هذا التحول الكبير في الموقف الذي يتمثل بدخول الشعب مباشرة، وامتلاكه زمام الأمر وجهاً لوجه في مواجهة الاستيطان والاحتلال، والدفع بالمقاومة الشعبية السلمية الى أقصاها، فإن الرئيس أبو مازن و"حماس" سوف يجدان نفسيهما كليهما معاً يضبطان خطواتهما المقبلة على وقع هذا المتغير الكبير.
في العام 1996، قال الرئيس عرفات للشعب الفلسطيني: هذه الليلة لم أذق النوم، وكانت في اليوم التالي من ايلول في ذلك العام انتفاضة النفق. يوم اول من أمس، شعب بأكمله لم يذق النوم بعد مقتل الطفل الفلسطيني محمد ابو خضير وحرق جثته. فهل هذه الموجة الثالثة من الانتفاضة تقتفي حرب النفق 1996 أم العودة إلى استحضار الجولة الأولى العام 1987؟.