خبر : حكومة التوافق وإعادة إنتاج الأزمة .. عمر القاروط

الأربعاء 02 يوليو 2014 12:02 ص / بتوقيت القدس +2GMT
حكومة التوافق وإعادة إنتاج الأزمة .. عمر القاروط



صعد الفلسطينيون الشجرة على سيط حكومة التوافق التي بشرتهم بإنهاء حقبة ما اصطلح على تسميته بـ "الانقسام"، والتي كان من مقتضاها أن أبناء الوطن جميعا متساوون في الحقوق والواجبات، وأن على الحكومة أن تعمل على تنفيذ الرؤية الوطنية التي تم التوافق عليها بين أقطاب النظام السياسي الفلسطيني "فتح وحماس والفصال والقوى المختلفة" لإعادة دمج العمل المؤسسات الرسمية في منظومة واحدة وشاملة لإدارة شئون الوطن والمواطنين بغض النظر عن التفاصيل الفنية التي يقتضيها واقع الحال باعتبارها إجراءات وقواعد ناظمة لا خلاف عليها وفقا للقانون الفلسطيني سواء كان الدستور الناظم للعلاقات الفلسطينية الفلسطينية أو قانون الخدمة المدنية واللوائح والقرارات والإجراءات المكملة له أو الضابطة لتنفيذه.

هذا الصعود حمل معه الآمال والأحلام والتطلعات بانتهاء مرحلة حرجة في التاريخ الفلسطيني المعاصر تفتح الطريق أمام إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، وإنهاء عزلة غزة والضفة الغربية، وتقوية الموقف الفلسطيني في مواجهة فشل المفاوضات، وتغول الاستيطان، والعمل على تكثيف الجهد الوطني لإنهاء معاناة الأسرى، وإعادة تنشيط المعابر وفقا لمتطلبات الحاجات الفلسطينية وليس وفقا لمقتضيات الحالة الإنسانية، وتفعيل إستراتيجية إعادة اعمار قطاع غزة، وتحسين مستوى الخدمات، والنهوض بمستوى الحياة المعيشية واليومية للمواطنين بما يسهم في التخفيف من معاناتهم، ويعيد تنشيط التواصل والعلاقات الثنائية بين شطري الوطن رغم كل القيود التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي.

رافق ذلك خطابا إعلاميا للقيادات والنخب السياسية أسهم في تضخيم التوقعات، والآمال، بل وذهب بالمواطنين إلى آفاق كبيرة للخروج من حالة الحصار والعزلة واستعادة اللحمة، وكأن شيئا لم يكن، وكان الإرادة الفلسطينية باتت حرة، والخيارات الفلسطينية مفتوحة على كل ما تريد.

لكن أول اختبار أمام ذلك كشف بان هذا الصعود كان وهميا، وغير واقعيا. ففي غضون أيام قليلة انفجر ملف الرواتب ليكشف الزيف، والخلل، والضعف، والقيود، والشروط، والضغوط، والرهانات التي يقع تحتها الفلسطينيين، وتظهرهم عاجزين أمام الحسم، والاقتراب من الحلول، والانخراط في منظومة جديدة للعمل الوطني والتوافق السياسي، وإعادة تأهيل الإطار القيادي الفلسطيني وفقا لأسس جديدة تتيح تقوية النظام السياسي الفلسطيني وإصلاح جوانب الخلل والضعف الذي تعتريه، وتأخذ بأبناء الوطن جميعا نحو رؤية وطنية شاملة في الحقوق والواجبات.

وقد بدت هذه العيوب جلية في الجدل والنقاش الذي تبع ذلك في تفسير وشرح أسباب الأزمة، حيث تبين أن أطراف الاتفاق تخفي حقيقة الاتفاق الذي جرى بشأن تطبيق المصالحة والذهاب لحكومة التوافق باعتبارها الخطوة الأولى على طريق إنهاء ما سمي "بالانقسام" واستعادة الوحدة الوطنية، وبين بأن حكومة التوافق مشلولة ومعلقة وليست لديها القدرة على إدارة المرحلة الجديدة أو التعامل مع الاستحقاقات، أو القيام بالمهام المنوطة، واكتفت بالهروب تارة، والتبرير تارة أخرى، وتوزيع الوعود والأمنيات في أحيان أخرى، وهو ما عاد بالأوضاع إلى المربع الأول، وراكم من هموم وعذابات المواطنين، وأرهق الوطن في حالة استنزاف سياسي لا تقل خطورة عن مرحلة ما قبل إنهاء المصالحة وإنهاء حكومة التوافق.

بل وإن الوضع الجديد عقد من واقع الملفات النازفة المتمثلة في التنسيق الأمني بين أجهزة الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية وسلطات الاحتلال، وتصعيد الحصار والضغوط على قطاع غزة وتعميق عزلته، والتشويش على ملف الأسرى والاعتداءات الإسرائيلية في القدس ومدن الضفة الغربية حيث بات التركيز الفلسطيني منصبا على وضع وأداء حكومة التوافق، ومعاناة الموظفين المحرومين من استلام رواتبهم.


إن السياق العام الذي تسير فيه حكومة التوافق، واتفاق المصالحة الأخير لإنهاء ما يسمى "بالانقسام"، يشير إلى أننا أمام إعادة إنتاج لمرحلة ما يسمى "بالانقسام" ولكن تحت عناوين ومبررات جديدة، وهو ما يشير إلى أن الخروج من هذه المرحلة لا يكون إلا بإعادة الاشتباك مع الاحتلال لتفكيك المعادلات التي يفرضها الاحتلال على الفلسطينيين في إدارة شئونهم الداخلية، وحسم قضاياهم الوطنية بصورة جذرية وحاسمة، وإلا فإن حالة التقزم الفلسطيني ستستمر، والاحتلال سيواصل توغله وسيطرته على الأراضي الفلسطينية، وتكريس الانقسام الفلسطيني ورفع تكلفته على الفلسطينيين.