المعاقبة وأحاسيس الغضب والثأر ليست خطة عمل. على الهدف الاسمى الذي ينبغي أن يوجه عمل الجيش الاسرائيلي في الايام القريبة القادمة هو تعزيز الردع حيال حماس وحيال منظمات الارهاب بشكل عام. إذن ما الذي يقصد رئيس الوزراء عمله حين يعلن: "حماس مذنبة، حماس ستدفع الثمن"؟
على طاولة نتنياهو توجد جملة واسعة جدا من الامكانيات: ابتداء من اعلان الحرب، كما فعل اولمرت في 2006، وانتهاء بالخطابات الحماسية التي ليس خلفها اي فعل حقيقي. هذا اختبار زعامة أعلى لنتنياهو. ماذا سيختار؟ هل ستغريه خطوة متزلفة للجمهور ومغامرة فيقرر عملية عسكرية دراماتيكية، تبقي الجمهور فاغرا فاه في الايام الاولى، ولكنه مصاب ومحبط على مدى السنين، أم ربما سيختار خطة تحقق الردع الاكثر نجاعة؟
هنا محظور الامتشاق من البطن. قبل اصدار الامر بفتح النار يجب فحص القدرات العسكرية، مراجعة حجم بنك الاهداف ونوعيتها، وينبغي أيضا الحديث مع الامريكيين والاوروبيين. كله عدا السير بالرأس الى الحائط وبدلا من تحقيق الردع انهاء الخطوة مع حماس معززة تحظى بالعطف الدولي، مع تقرير غولدستون آخر ومع عزلة دولية. في هذا الفيلم ايضا سبق أن كنا.
الان، على خلفية اكتشاف الجثث، تركض اسرائيل بعيون مفتوحة، على نحو تلقائي تقريبا، الى جولة اخرى عنيفة، كبيرة، حيال حماس في قطاع غزة. وقد بدأ بناء حجة هذا الهجوم قبل أن تكتشف الجثث: فقد دعا رؤساء بلديات ومجالس في غلاف غزة الجيش الاسرائيلي للعمل، ونشر الجيش عدد الصواريخ التي اطلقت من غزة في السنة الاخيرة، في الشهر الاخير وفي الساعات الاخيرة – هكذا يعد الرأي العام وتسخن الاجواء – وبالتوازي يجري اخراج الخطط العسكرية الى الهواء لانعاشها.
لقد بدأ العد التنازلي نحو الهجوم في غزة في واقع الامر بعد يومين من اختطاف الفتيان. وعمليا بدأ ما أن قرر المجلس الوزاري الاخذ بتوصية جهاز الامن لاستغلال الفرصة وتوسيع حملة التفتيش الى حملة قمع لحماس ايضا. وفي هذه النقطة كانت حاجة لان يكون واضحا للوزراء بان العنوان الحقيقي لاضعاف حماس ليس في الضفة بل في غزة.
لا شك أن منظمة حماس تقف خلف قتل الفتيان الثلاثة. كل قول يتحدث عن خلية محلية، عملت من تلقاء ذاتها، دون صلة بجهات خارجية رفيعة المستوى في حماس، يعبر عن موقف سياسي ولكن ليس عن الواقع الاستخباري. فحماس العسكرية في الضفة تعمل بصيغة مشابهة جدا لصيغة منظمة القاعدة. لديها قدرة على العمل في خلايا صغيرة سرية، لا تتلقى الاوامر من الخارج بل تستغل الفرص العملياتية. الزعماء يقررون السياسة ويساعدون بوسائل البنى التحتية المدنية للدعوة. هذا هو جوهر المنظمة العسكرية الحماسية – ولهذا فان حماس مسؤولة.
لقد دفن الفتيان الثلاثة على ما يبدو على عجل. وعمل الخاطفون ضمن فرضية أن المطاردة لهم بدأت في موعد قريب جدا من الاختطاف. ولهذا فقد التصقوا بالاماكن التي يعرفوها. ودفن الفتيان في منتصف الطريق – بين مكان الاختطاف ومدينة الخليل، المدينة التي تربى فيها الخاطفون ويعرفونها جيدا. وتقول الفرضية انه في غضون فترة زمنية غير طويلة "سيرفعون الرأس" من المخبأ فيمسك بهم. معظم ابناء عائلاتهم يوجدون في الاعتقال والتحقيق وهذه رافعة ضغط اخرى على القتلة. رافعة اخرى هي هدم منازلهم.
حتى يوم امس "رفضت" حماس التعاون مع اسرائيل. بل العكس. حتى في اسرائيل اعترفوا بان حماس في غزة تجتهد لمنع النار. فالمصالح السياسية لحماس هي التي أملت عليها ضبط النفس. فقد علقت حماس الآمال بحكومة المصالحة الفلسطينية، بالتقرب من الغرب والعالم العربي – ولا سيما من مصر. ولكن عندها جاء الاختطاف وسرق لها ايضا كل الاوراق. وهي ببساطة أطلقت على نفسها رصاصة في الساق.
منذ الاختطاف تلقت حماس الضربات: رجالها قتلوا في نفق تفجر، منشآت المنظمة اصيبت في تفجيرات سلاح الجو وفي بداية الاسبوع عادت اسرائيل الى سياسة الاحباطات المركزة ليس فقط ضد المنظمات الهامشية بل وايضا ضد رجال حماس.
لقد ترددت قيادة حماس على مدى بضعة ايام بشأن سياسة الرد. اما أمس، أغلب الظن، فقد انتهى التجلد وبات ممكنا أن نشخص انقلاب الميل: حماس ليس فقط لا تريد أن تعطي اسرائيل ذريعة للهجوم – بل انها حتى "تستدعي" اسرائيل للهجوم عليها في فترة رمضان. الاجواء في غزة صعبة. اموال كان ينبغي أن تصل من رام الله لغرض دفع الرواتب لـ 43 الف موظف دولة، لم تصل. ولحماس مصلحة في صرف الانتباه عن هذا الرمضان النحيف نحو العدو الاكبر الذي دمر لها العيد – اسرائيل. جنازات، دم وقتلى ستعيد لها مكانة الضحية.
صاروخ جراد الحماسي والمعترض الاسرائيلي يطيران الان الواحد نحو الاخر وليس هناك من يحرفهما عن الصدام شبه المؤكد. الان ينبغي الصلاة من أجل حكمة الزعيم.


