خبر : إستراتيجية التحويل الإسرائيلية والرد المنشود ...مهند عبد الحميد

الثلاثاء 01 يوليو 2014 11:09 ص / بتوقيت القدس +2GMT



بعد توقف المفاوضات وتحميل معظم دول العالم صراحة ومواربة دولة الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية الإخفاق، كان من المنطقي ان تذهب القيادة الفلسطينية نحو خيار آخر، وتعيد النظر في البناء الذي شيد استنادا لفرضية التوصل الى حل عبر المفاوضات. الانتقال من إستراتيجية المفاوضات الى استراتيجية الخروج من شبكة العلاقات التي قادت الى الإخفاق لم تكن مسألة سهلة وحرة، بل انها عملية الخروج من القيود وتشمل سياسات جديدة وتحالفات جديدة وتعديلات في البنية وشد أحزمة وجوع في المدى المباشر لأنها ستصطدم بردود فعل إسرائيلية كبيرة، لكنها الخيار الوحيد المتبقي للوطنية الفلسطينية وللشعب الذي مضى عليه 47 سنة احتلال و67 سنة نكبة وتطهير عرقي "وسحق لحقوق شعب كامل".

ما دون ذلك كان يمكن اللجوء الى قوة سلب منظمة كالإضراب السياسي وعدم التعاطي مع الاتفاقات من طرف واحد، كالتوقف مثلا عن التعاطي مع الإدارة المدنية التي ينص اتفاق أوسلو على حلها ونقل مهماتها الى السلطة، كان يمكن التراجع عن سياسة "بناء دولة تحت الاحتلال" لا تملك اي صلاحيات.
وما دون اتباع سياسة جديدة بديلة، كان يفترض بالرباعية الدولية الداعمة والراعية للحل السياسي، تحميل دولة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن إفشال الحل السياسي وممارسة الضغط عليها كي تستجيب لشروطها التي فرضتها على القيادة الفلسطينية لكنها لم تحاول إقناع دولة الاحتلال بها.
لم يحدث المستوى الأول من الرد الفلسطيني ولم يعد يطرح، ولم يصار الى التعامل مع المستوى الثاني فلسطينيا ودولياً. الشيء الوحيد المتداول حاليا شيء آخر، هو اهتمامات وأولويات خاصة بدولة الاحتلال تحظى بنوع من الموافقة والتواطؤ الدولي. تنشغل حكومة نتنياهو باستباحة الضفة الغربية طولا وعرضا بحثا عن المستوطنين المفقودين الثلاثة، وتصرف قصارى جهدها في التنكيل والعقوبات الجماعية والاعتقال المفتوح جريا وراء هواجس أمنية مفتعلة. من يراقب يوميات حكومة نتنياهو سيجد الموضوعات التالية : تصويت الكنيست على مشروع "قانون التغذية القسرية للأسرى المضربين" وقد احتل هذا الموضوع اهتماما كبيرا. اهتمام آخر بحث اعتبار الحركة الإسلامية خارجة عن القانون، وتشكيل لجنة وزارية لإعداد ملف يعرض للتصويت على ما يسمى قانون حنين الزعبي، واهتمام يومي بإلقاء التهديد والوعيد باجتياح قطاع غزة تتخلله غارات وقتل وحصار.
اما القضية التي احتلت حيزا اكبر هذه الأيام فهي الحديث عن خط دفاع إسرائيلي يبدأ من الحدود العراقية الأردنية، وتحصيل حاصل فإن خط دفاع غور الأردن يتحول الى خط دفاع ثان، ويطرح في هذا السياق التهويل من خطر "داعش" الذي بات يهدد باجتياح الأردن، ومن ثم تهديد الأمن الإسرائيلي، وينطوي الادعاء بأن خط الدفاع الإسرائيلي يبدأ من الحدود الأردنية العراقية المس باستقلال الأردن تحت شعار الدفاع عنه. ويترافق مع ذلك الاهتمام الأمني الإسرائيلي الحديث عن وجود تنظيم "داعش" في سيناء وفي قطاع غزة، ويلاحظ هنا ان كل التضخيم الإسرائيلي لخطر "داعش" له وظيفة واحدة هي صرف الأنظار عن احتلال الأرض الفلسطينية وتركيزها نحو التهديدات الأمنية لشعوب المنطقة، وهذا يعني تحويل تقديم خطر الإرهاب والتطرف واعتباره القضية الأولى التي تتصدر المشهد الإقليمي وما عدا ذلك كالاحتلال يعتبر شأنا ثانويا. وكانت حكومة نتنياهو قد فعلت الشيء نفسه قبل ذلك عندما قدمت الخطر النووي الإيراني على حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكل تلك المواقف التي تمتاز بخاصية التحويل من هدف مركزي الى أهداف أخرى ثانوية او مفتعلة وإثارة جلبة حولها. هذا الموقف التحويلي شكل من أشكال صد الحل، وهو يشبه مقاومة المريض النفسي للعلاج عبر التحويل الى موضوعات أُخرى. حالة مرضية يتشابه فيها المرضى النفسيون مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. مواقف وسياسات وأولويات إسرائيلية تعكس الموقف العدمي الإسرائيلي من قضية الشعب الفلسطيني والإصرار على تصفيتها وتذويبها في بلدان الإقليم.
ثمة خطر حقيقي من استمرار سياسة التحويل الإسرائيلي المترافقة مع استمرار صناعة الوقائع على الأرض وتفكيك بنية المجتمع الفلسطيني. المترافقة أيضا مع سياسة إدارة الأزمة المتبعة من قبل الإدارة الأميركية، التي مارست كل الضغوط لمنع القيادة الفلسطينية من الذهاب للأمم المتحدة ومؤسساتها، ويصبح الوضع أشبه بالسريالي في ظل حالة استنفاد الوعود والمراهنات على إدارات الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. لا يوجد ما ينتظره الشعب الفلسطيني بعد ان تلاشى كل وهم وأمل وتقدير. لا يوجد حل للشعب الفلسطيني عبر الولايات المتحدة وحلفائها، كما هو حال الشعوب العربية في مصر والعراق وسورية ولبنان واليمن وتونس وليبيا، وكما هو حال شعوب أميركا اللاتينية التي دفعت ثمنا باهظا جراء الاعتماد على السياسة الأميركية.
لم يكن هذا اكتشافا جديدا، فقد سبق للمفكر إدوارد سعيد ان حذر منه منذ التوقيع على اتفاق أوسلو، لقد مضى البعض في هذا الخيار ظنا منه بأنه يمكن الإفادة التكتيكية من الوضع، لكن البعض الآخر انطلق من وجود مصالح أو نشوء مصالح تجعل التلازم بين الخيار السياسي والمصالح الخاصة أمرا مقررا. الآن وبعد انهيار البناء الفكري والسياسي المرتبط بواقع التجربة المريرة والأثمان الكبيرة التي دفعها السواد الأعظم من الشعب لم يعد ممكنا تسويغ استمرار الرهان او البقاء في الخندق الأميركي.
الرد والاستجابة على المآل الذي وصلنا إليه، يتراوح بين بقاء الأوضاع على ما هي عليه بانتظار المجهول، وهو رد سلبي بكل المقاييس. وهناك رد واستجابة تتسم بالمغامرة العفوية غير المحسوبة، استجابة بمعزل عن سياسة بديلة بل كرد فعل انتقامي على السياسة العدمية الإسرائيلية شديدة الاستفزاز وصانعة الكراهية، قد يكون مثل هذا الرد فرديا او ضمن مجموعات متمردة على تنظيماتها، ولا يستبعد ان يكون لقوى الإسلام المتطرف دور في صناعة هذا الخيار. وهناك رد واستجابة مدروسة تحفر مجرى جديدا للنضال الفلسطيني، بعيدا عن كل أشكال الدعم بأجندات مضادة. كما كان هذا الاتجاه ضعيفا في تجربة الثورات العربية فهو ضعيف في التجربة الفلسطينية التي تتعرض لشتى أنواع التدخلات. كيف السبيل الى ذلك؟ هو سؤال المرحلة.

Mohanned_t@yahoo.com