أيام فقط، وتكون غزة على موعد، مع صرف رواتب موظفي القطاع العام، أو ما يعرف لدى الشارع وعامة الناس، برواتب موظفي السلطة، حيث من المتوقع، أن تشهد "واجهات" البنوك، وصناديق الصرّاف الآلي، تجمعات، احتكاكات، أو حتى مواجهات، بين موظفي السلطة الشرعية، العاملين لدى وزاراتها ومؤسساتها العامة، منذ نحو عشرين عاما، إلى ما يزيد على سبع سنوات، وبين عناصر أجهزة أمن "حماس"، و"موظفيها" الذين كانوا، وما زالوا يعملون ضمن أجهزة ومؤسسات سلطة الانقلاب السابقة.
ما يرجح هذا الاحتمال، أن مثيل ذلك قد حدث، قبل شهر، لم يتم خلاله، "حل" المشكلة، الناجمة عن إعلان "حكومة إسماعيل هنية" خروجها من الحكومة، وليس من الحكم، وبالتالي "هروبها" من التزامها تجاه نحو 35 ـ 40 ألف موظف مدني وعسكري، كانت قد عينتهم خلال حكمها التام والمنفرد والمعلن لقطاع غزة، خلال السبع سنوات التي مضت. وهذا الالتزام، منه ما هو متراكم، ما هو بأثر رجعي، ومنه الاستمرار في توفير مرجعية الدفع السابقة (إن كانت من قطر، اقتصاد الأنفاق، تحصيل الضرائب أو حتى من تبرعات الإخوان). ثم يضاف لذلك، عدم شرعية التعيين أصلا، لأكثر من سبب، أهمها، أن من قام بالتعيين هو سلطة حكم انقلابية، غير شرعية، وكل ما بني على باطل فهو باطل، ومنها أيضا أن كل التعيينات، جاءت وفق معايير الولاء وليس الكفاءة، ولم يتم تعيين واحد منهم ضمن مسابقات أو شروط عامة، كذلك على أساس الانتماء الحزبي، فليس هناك من هو خارج إطار الولاء لـ"حماس".
المهم في الأمر، أن حركة حماس، على ما يبدو، قد قامت بالقفز من السفينة وهي تغرق، فبعد سبع سنوات، تم خلالها تدمير البنية التحتية بالكامل لقطاع غزة، وكل مساهمات القطاع الإنتاجي وحتى القطاع الخاص، تراجعت حتى وصلت لحدود الصفر، فيما تزايدت معدلات الفقر والبطالة بشكل مخيف، ولولا أن السلطة المركزية/ الشرعية ظلت ترعى قطاعات الخدمات العامة (التعليم، الصحة، الكهرباء) لربما عادت غزة للعصور الوسطى، لكن وحيث إن السياسة، سياسة، وإن مسؤولية غزة الآن، تظل مسؤولية السلطة المركزية، فمن الضروري، أن تسارع على الفور بإنقاذ غزة، من الضياع.
وإذا كانت غزة الآن، مثل القنبلة الموقوتة، بدأت تتكتك، أي بدأ العد التنازلي لموعد الانفجار، وهذا الانفجار ـ بالمناسبة، مرهون بصاعقين اثنين وليس بصاعق واحد، التوتير الإسرائيلي، والوضع الداخلي.
صحيح تماما، أنه لا حق لموظفي السلطة الانقلابية بالراتب ولا بالمرتبة ولا بالرتبة التي منحتهم إياها سلطة غير شرعية/ انقلابية، لن يذكرها شعبنا بالخير أبدا، لكن لهم حق المواطنة، والعيش الكريم، لهم حق في أن يتم إيجاد عمل لهم، تتحدد طبيعته ومقابله المالي (أي الراتب) وفق الكفاءة، لكن والى أن يتم تشكيل اللجان الإدارية، والتوظيفية لابد من منحهم "سلفا" أو مرتبات ضمان اجتماعي، وقد سبق للسلطة حين بدأت التشكل، أواخر العام 1994 أوائل العام 1995 أن منحت موظفيها/ الرواد، سلفا لحين تسوية أمور رواتبهم، وصحيح أيضا، أنه لا يمكن تجاوز معايير "المانحين" فيما يتعلق بالتضخم الوظيفي، وتأثيره على الميزانية العامة، ولا فيما يخص شروط التوظيف، خاصة لمنتسبي الأجهزة الأمنية، ولا حتى شروط البنوك في استقبال أموال هذه المرتبات، ولكن يمكن دائما إيجاد حلول وسط، والتي يمكن التوصل لها، لو توحدت كل الجهود، من قبل الجميع، بدل أن يلقي كل طرف بتبعات المسؤولية على غيره.
على "حماس" وكل الفصائل مع "فتح" والسلطة أن تجد حلا جماعيا، حيث انه من الواضح أن "الصراع" بين "فتح" و"حماس" لم يتوقف ولم ينته بعد، وما كان إعلان الشاطئ إلا خطوة في لعبة الشطرنج بينهما، والتي لم تصل بعد إلى ـ كش ملك، مات ـ.
وصحيح أيضا، أن الملعب الفلسطيني غير مغلق عليهما فقط، وان أصابع عديدة تلعب فيه، بما في ذلك الأصابع الإسرائيلية.
المشكلة هي انه من الواضح، أن الطرفين، قاما بخطوة غير مكتملة، وان أحدهما ما زال يسعى لتحجيم الآخر، وتوسيع قاعدته الشعبية، وانهما ما زالا آخر من يلجأ للخيار الشعبي، الديمقراطي وشرعيته الانتخابية، وإلا لِمَ لم يصدر الرئيس حتى اللحظة مرسوم تحديد موعد الانتخابات، كذلك لِمَ لم يجتمع حتى اللحظة الإطار القيادي لـ"م.ت.ف"، ولِمَ لم تفتح "حماس" فمها، حول هذا الأمر؟.
واضح أن حدود اللعب بينهما محددة ومعروفة لديهما، على الأقل، وواضح أن احدهما، ليس بمقدوره أن "يضحك" على الآخر، وأن يبيعه الماء في البحر، وبتقديرنا، فإنه لا يمكن للسلطة أن تقوم، حتى لو كان ذلك بمقدورها، ولا توجد أمامها عقبات أو حواجز، بمنح موظفين رواتب وهم لا يأتمرون بأمرها، ولا يمكنها أن تشتري سمك "حماس" في البحر، فالرواتب مقابل السلطة الحقيقية على الأرض، يُمنح موظفون يأتمرون بأمر السلطة الرواتب من قبلها، وغير ذلك كلام فارغ، بلا معنى ولا طائل، أي أن قصة رواتب موظفي "حماس" في غزة، لن تحل إلا بأن تدفع لهم "حماس"، كما تدفع الفصائل مرتبات موظفي مكاتبها وكوادرها العسكرية، أو بعد أن تسلم الأجهزة الأمنية في غزة، سلطتها للسلطة المركزية، أي يتم حل هذه الأجهزة، وبالتالي التعامل مع عناصرها كأفراد. ولأنه عمليا لم يتغير شيء على الأرض، فإن الرئيس محمود عباس كان واضحا تماما، حين قال إن معبر رفح لن يفتح إلا وفق صيغة 2005 وموافقة مصر ومع وجود حرس الرئاسة على المعبر الحدودي، وإلا فإن إعلان الشاطئ، سيكون مثل اتفاق أوسلو، مجرد إعلان مبادئ أو نوايا، سرعان ما ستكشف الأيام عن طبيعة هذه النوايا، بأنها كانت سيئة، أو على الأقل وفق صيغة، "قال له حافر لك، رد عليه: صاحي لك"!.
Rajab22@hotmail.com


