خبر : إما كل شىء أو لا شىء.. وقد كان ...عبد الله السناوي

الإثنين 30 يونيو 2014 01:18 م / بتوقيت القدس +2GMT
إما كل شىء أو لا شىء.. وقد كان ...عبد الله السناوي



تعالت نداءات الاحتشاد لـ(٣٠) يونيو كفرصة أخيرة، وأوحت المقدمات أنه سوف يكون يوما فاصلا.
لم تكن جماعة الإخوان المسلمين على أدنى استعداد أن تقرأ المشاهد التى تتحرك أمامها أو ترى مزالقها إلى نهاياتها.
تصورت أنها فى موقع قوة يخولها الانفراد بالسلطة السياسية وتقويض مؤسسات الدولة واعتقال معارضيها بعد أن يفشلوا فى التظاهرات التى ينتوون تنظيمها.
بنت حساباتها على فكرتين. الأولى أنها تحوز قوة تنظيمية ومالية لا تتوافر لأية أطراف أخرى، وتحالفاتها اتسعت إلى حد يردع بالسلاح التفكير فى إزاحتها.
والثانية أن الجيش لن يتدخل تحت أى ظرف وأيا كانت أحجام التظاهرات واحتمالات الصدام فى الشوارع المضطربة استنادا إلى تعهدات أمريكية تلقتها.
أزاحت الحلول السياسية من على أجندة تفكيرها وتصرفت كـ«لاعب سومو» على حلبة مصارعة يابانية يعتمد على ضخامة جسده فى إزاحة خصمه دون أن يضع فى اعتباره أن شحومه تعوق حركته.
فى اللحظات الأخيرة قبل الإطاحة بالرئيس الأسبق «محمد مرسى» توافرت حلول سياسية أمام الجماعة للخروج من مأزقها بأقل خسائر ممكنة لكنها استهترت على نحو ألحق بها أسوأ هزيمة فى تاريخها منذ تأسيسها.
من هذه الحلول تغيير النائب العام المستشار «طلعت عبدالله» الذى كانت تصفه المعارضة بـ«النائب الخصوصى» وتضع إقالته فى مقدمة مطالبها.
لم يكن الأمر يتعدى إعلان الالتزام بالأحكام القضائية التى أبطلت توليه منصبه لكن ضيق الجماعة بالقضاء والعمل على تقويض مؤسسته دعاها إلى تحدى أحكامه وانتقص ذلك بفداحة من شرعية الرئاسة وتأسيس ثأرات امتدت آثارها.
ومن هذه الحلول إقالة حكومة الدكتور «هشام قنديل» والسعى إلى حكومة توافقية، وكان ذلك مطلبا رئيسا لجبهة «الإنقاذ الوطنى» التى كانت راية المعارضة وقتها.
لم تكن الحكومة نفسها تحظى بقبول كبير فى أوساط الجماعة ودأب رجلها القوى «خيرت الشاطر» على الحديث باستخفاف عن رئيسها بحسب معلومات متواترة.
الشاطر» هو عقدة الموقف كله. كان يمسك بيده مقاليد الجماعة و«مرسى» اعتاد لسنوات طويلة أن يتبعه. تطلع لتولى رئاسة الحكومة بعد حصد الجماعة أكثرية أول مجلس نيابى بعد يناير غير أن «المجلس العسكرى» مانع فى طموحه، تحاور طويلا فى هذا الملف مع قادة عسكريين بينهم رئيس المخابرات الحربية فى ذلك الوقت اللواء «عبدالفتاح السيسى» واستمع إلى الردود نفسها.
بحسب رواية موثقة للواء «حسن الروينى» قائد المنطقة العسكرية المركزية السابق فإنه أبلغ «الشاطر» أن هناك ثلاثة خطوط لا يجب تخطيها والرسالة بنصها تلقاها «مرسى» عندما فاتحه فى أمر الجيش والإخوان.
الأول، التفكير فى حصة للجماعة فى دفعات الكليات العسكرية، فالجيش ليس حزبيا ولا طائفيا.
والثانى، التفكير فى تولى الحكومة، فهذه قضية مستبعدة الآن.
والثالث، التفكير فى الترشح لرئاسة الجمهورية، فهذا يصعب قبوله.
الخط الأخير جرى اختراقه وتراجعت الجماعة بضوء أخضر أمريكى عن تعهدها السابق بعدم الترشح للرئاسة وطرح «الشاطر» نفسه فى سباقها قبل أن يخلى موقعه لأسباب قانونية للمرشح البديل «مرسى».
بدرجة ما نشأت حساسيات بين «المرشح الأصلى» و«الرئيس البديل» وتدخل فى أكثر من موضع المرشد العام «محمد بديع» لتخفيضها ومنع تفاقمها. «الشاطر» طلب السلطة الفعلية معتقدا أنه صاحب الحق فيها والأكثر مقدرة وفى سعيه لرئاسة الحكومة سعى آخر أن يكون صاحب الكلمة الأولى فى أية قرارات سياسية تصدر و«مرسى» حاول أن يمنع صعوده لرئاسة الحكومة خشية أن يتعرض لإذلال أدبى بتصويره على أنه مجرد واجهة لا سلطة معها. لهذا السبب فإنه قاتل تقريبا للحفاظ على «قنديل» فى رئاسة الحكومة وربما أراد أن يثبت لـ«الشاطر» أمام طغيان مكتب الإرشاد فى الاتحادية أنه هو الرئيس.
لم تكن إقالة الحكومة جملة سياسية عادية، فـ«الشاطر» ينتظر إقالتها ليصعد هو شريكا أول فى السلطة ولا يتصور أن تقال ليصعد غيره باسم التوافق الوطنى.. و«مرسى» يرفض إقالتها خشية صعود رئيس حكومة قوى من داخل الجماعة أو خارجها يضعه فى حالة انكشاف.
فى إدارة الأزمة تراجع دور الرئيس لصالح دور رجل الجماعة. مال «مرسى» تحت الشعور بالخطر لتهدئة المناخ العام وتعهد لـ«السيسى» بإجراءات جدية محددة، غير أنه ألقى خطابا مناقضا فى قاعة المؤتمرات بتوجيهات من «الشاطر» فتح المجال واسعا لإطاحته من الحكم. هاجم القضاء والإعلام ورفض أية إشارة لتغييرات تستجيب لمتطلبات التهدئة ولوح بإجراءات استثنائية، والتنكيل بخصومه، وهدد بالاحتراب الأهلى. استخدم نفس اللغة التى تبناها «الشاطر» واتسعت من فوق منصة «رابعة العدوية» قبل الإطاحة به وبعدها.
فى تلك اللحظة تقوضت شرعيته نهائيا وبدت الجماعة فى حالة انتحار تاريخى.
لم تكن مستعدة لانتخابات رئاسية مبكرة، فإن سحبت «مرسى» فهذه هزيمة مسبقة وإن تقدمت به فالهزيمة مؤكدة.
بتعبير عضو بمكتب الإرشاد عهد عنه الاعتدال النسبى أثناء اتصالات خلفية مع شخصيات من «جبهة الإنقاذ»: «إننا نعرف أنه سوف يسقط بالثلث لو خاض انتخابات أخرى».
خشية الجماعة من الاحتكام إلى انتخابات رئاسية مبكرة تعبير عن تراجع شعبيتها وتعبير آخر عن توجه أخطر وأفدح لمصادرة المستقبل كله، فقد سيطرت فكرة جوهرية على مجموعتها القيادية أن الوقت قد حان للتمكين وأن التأخر فى الحسم يفضى إلى إهدار فرصة لن تتكرر مرة أخريى: إما كل شىء أو لا شىء.
لم تكن الجماعة وحدها فى تقدير الموقف، فهناك أطراف إقليمية ودولية تحالفت معها بدرجات متفاوتة وراهنت على أدوارها فى إعادة صياغة المنطقة من جديد.
حاولت الجماعة «أخونة الدولة» وتخويل رئيسها صلاحيات ديكتاتورية فى إعلان دستورى للمضى فى هذا المشروع لنهايته. استهدف الإعلان التنكيل بالمعارضة بظن أن الديمقراطية تنال من مشروع «التمكين» وأن المعارضة صداع يتعين التخلص منه. ورغم التراجع الإجبارى عن هذا الإعلان إلا أن جوهر توجهه ظل ماثلا حتى اللحظات الأخيرة فى الحكم.
لم تفكر الجماعة فى أية حلول سياسية وفق قواعد الديمقراطية وتحدثت فى وقت واحد عن الشرعية والشريعة كأنها ساحر على مسرح مولد ريفى، تلاعب مكشوف بالمفاهيم والحقائق وخلط مالا يختلط، فمرة تتحدث عن الديمقراطية والأغلبية ومرة أخرى تتحدث بلغة العنف والتلويح بالسلاح، مرة عن الدولة الحديثة ومرة أخرى عن الدولة الدينية.
الأخطر أنها دخلت بعد الإطاحة بها فى تحالفات شبه معلنة مع تنظيمات تكفيرية ورفعت أعلام القاعدة فى تظاهراتها واندفعت فى أعمال عنف ضد مواطنيها عمقت مشاعر كراهيتها غير أنها تحاول فى خطابها للعالم أن تنسب نفسها للديمقراطية التى تنكرت لها عندما آلت إليها السلطة.
كانت إدارتها للدولة أقرب إلى أعمال الهواة وأضفت على رجلها القوى صفة «العبقرية» بينما هو يقودها إلى حتفها.
لم تتوقع النهايات لأنها لم تقرأ البدايات.
عانت عزلة شعورية عن تحفز الشارع لإطاحتها وراء معارضة اكتسبت قوتها من غضبه وعانت عزلة شعورية أخرى عن الآثار الخطيرة لصدامها مع مؤسسات الدولة وعانت عزلة شعورية ثالثة عن تداعيات استهتارها بالأمن القومى ومؤسسته العسكرية وبياناتها قبل تدخلها، فأية مراجعة لتعليقات الجماعة على بيانات الجيش تدعو إلى الرثاء لمستوى تفكيرها السياسى فقد اعتبرتها تحذيرا للمعارضة ودعما للرئيس!
فى لحظات الحسم بدا خطابها مزيجا من عجرفة القوة والتهديد بالدماء وتصورت رغم الحقائق حولها أنها يمكن أن تحصد كل شىء بلا تنازل واحد.
إما كل شىء أو لا شىء.. وقد كان.