خبر : الانقسام والمصالحة وجهان لعملة واحدة ...بقلم: د.عاطف أبو سيف

الإثنين 30 يونيو 2014 08:48 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الانقسام والمصالحة وجهان لعملة واحدة ...بقلم: د.عاطف أبو سيف



لا يستطيع أحد أن يجزم حقاً أن ثمة مصالحة حقيقية موجودة رغم التوقيع على اتفاق المصالحة وتشكيل حكومة الوفاق الوطني وتسلمها لمهامها المدنية في غزة. يشبه الأمر كثيراً الاعتقاد بأن ثمة سلاما جرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين عقب التوقيع على اتفاق السلام في حدائق البيت الأبيض قبل أكثر من عقدين من الزمن. فالمصافحات الحارة والابتسامات العريضة وعبارات المجاملة، والحديث عن الماضي الأليم، ليست إلا جزءاً من بروتوكول قد أعد مسبقاً حتى تخرج الصورة حلوة. أما الحقيقة فعند قياسها على الأرض تكتشف بأنها شيء مغاير بالكامل. فبعيداً عن تلك الأجواء الاحتفالية فإن السلام لم يتحقق في الشرق الأوسط وظلت إسرائيل تعتدي بشكل صريح على الأرض والشعب، كما أن المصالحة لم تتحقق فعلياً على الأرض إذ ظلت الحكومة في رام الله في وادٍ وأجهزة حكومة حماس في غزة في وادٍ آخر.
لم تتسلم الحكومة الجديدة إلا مكاتبها المدنية في غزة وهي مقرات أربع وزارات يداوم فيها وزراء حكومة الوفاق من غزة ولم يستلموا فعلياً مهامهم كما ينبغي. أما بقية الوزارات الأخرى والهيئات الحكومية التي يربو تعدادها على أربعين وزارة وهيئة فإنها ظلت تحت سيادة حكومة حماس. وأشك أن أحداً من الوزراء في رام الله يعرف ما يجري في وزارته في غزة أو أنه يهتم كثيراً لذلك، او يبذل جهداً في سبيل ذلك.
أما الجزء الأهم من الحكومة والمتعلق بالأمن والسيادة فهو ما زال عالقا ينتظر اتفاقاً جديداً. فالحكومة، بعبارة أخرى، لا تحكم، أيضاً الحكومة لا تدير شؤون الناس وليست ذات صلاحيات للتدخل، ولا أظن أن أحداً يستطيع بعد أكثر من شهر ونصف الشهر من عمل الحكومة أن يزعم عكس ذلك. كان مشهد رجال الشرطة وهم يعتدون على الموظفين الذين ذهبوا لتلقي رواتبهم من البنوك وإعلانهم إغلاق تلك البنوك عنوة، وعدم تلقيهم أوامر بذلك من وزيرهم الحقيقي السيد رئيس الوزراء إلا ترجمة لحقيقة أن هذه حكومة لا تحكم ووزير الداخلية لا يتدخل. هل كان هذا نقصا خطيرا في اتفاق المصالحة؟ ربما، لكن الحقيقة تقول إن النوايا أهم من كل الاتفاقيات، وهي إن توفرت تقضي على كل النواقص وتملأها. ما حدث عندنا هو العكس، إذ إن النوايا كانت اكثر خبثاً من الاتفاق.
القضية الأخرى التي كشفت عورات الاتفاق كانت قضية موظفي حكومة غزة ورواتبهم. فالاتفاق لم يشر إلى دمجهم المباشر في كشف رواتب السلطة، إذ إن هذا يتحقق فقط بعد إجراء الانتخابات التشريعية العامة ويكون متروكاً بشكل كامل لحكومة ما بعد الانتخابات. فمهام حكومة الوفاق هي تسيير الأمور حتى الوصول إلى الانتخابات، وليس من مهام حكومة الوفاق حل كل المعضلات التي ترتبت على سنوات سوداء من الانقسام. وربما تكون تلك التوقعات العالية اكثر نقاط ضعف الحكومة، إذ إن أداءها سيكون متواضعاً أمام جسامة التحديات وعظمة التوقعات.
أظن أن الخلل الذي نجم في قضية موظفي حكومة حماس في غزة هو استكمال لخلل أعمق وهو ان حكومة الوفاق ليست صاحبة سيادة كاملة، وأنها مثلاً ليست صاحبة رأي ولا أمر ولا نهي على نحو اكثر من نصف هؤلاء الموظفين، أقصد الأجهزة الأمنية. وأظن انه لو تم حل كافة القضايا لما وصلنا إلى تلك المعضلة. فكما ان المال عصب الحكم فإن الرجل على الحصان هو الذي يحدد هوية هذا الحكم. وفي حالة المصالحة الفلسطينية افترق العصب (المال) عن الرجل على الحصان. والنتيجة أن ثمة محاولات للوصول إلى مدركات منطقية من عملية غير منطقية، من باب أن الموظفين مسؤولية حكومة الوفاق. وهي مقولة منطقية لكنها مؤسسة على واقع غير منطقي يقول إن الحكومة ليست صاحبة ولاية على هؤلاء الموظفين. رغم ذلك تظل حقيقة أساسية لا يجب أن تغيب عن التحليل تقول إن مثل هذا النقاش أيضاً يعمق الأزمة ولا يحلها، وأن أزمة موظفي غزة يجب أن تجد لها حلاً ضمن إعادة صياغة لواقع المصالحة.
المشهد يبدو كالتالي: الحكومة في رام الله تواصل الصرف على قطاعات الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية والحج والرياضة والبلديات و"بكدار"، وتواصل دفع رواتب موظفي السلطة الأساسيين من غزة، فيما تواصل الحكومة المقالة (رغم عدم وجودها رسمياً الآن) إدارة غزة خاصة في مجال الأمن وجباية الضرائب والتحصيل. لم يتغير شيء. فالحكومة في رام الله لم تتوقف منذ حزيران 2007 عن دفع كل تكاليف قطاعات الخدمات من صحة وتعليم وشؤون اجتماعية ورصف للشوارع وبناء للمدارس عبر "بكدار" والصرف على البلديات بجانب الإشراف على الحج والرياضة، وهو ما تواصل فعله بعد المصالحة. فيما الحكومة المقالة (الآن الجسم الإداري والأمني في غزة) تواصل عمل بقية الأشياء. إذا كان هذا هو ديدن العلاقة منذ حزيران 2007 فإن أي تغيير في هذه العلاقة يحتاج إلى تغيير في مكوناتها، وهو ما لم يحدث بالمطلق في اتفاق المصالحة.
"حماس" أرادت المصالحة لكن أرادت في نفس الوقت أن تظل تحكم، أرادت أن تكون المعارضة والحزب الحاكم، المشّرع والمنتقد، كأنها أرادت أن تلبس طاقية الإخفاء وتقول إنها موجودة، أو أن تقف في وسط الناس وتقول أنا غير موجودة. المهمة المستحيلة بلغة أفلام توم كروز.
أما الواقع الجديد فهو إعادة استنساخ لواقع الانقسام مع القول إن هذا الواقع الجديد اسمه مصالحة وليس انقساماً، بمعنى أن ما تم هو اتفاق اصطلاحي وليس سياسيا بأي حال من الأحوال. وفق هذا الاتفاق الاصطلاحي فإن الانقسام والمصالحة وجهان لعملة واحدة، وهما كلمتان تشيران لنفس الواقع. بالطبع علينا في مثل هذا الحال أن نضع عواطفنا ومواقفنا في الثلاجة لأنها لا تفيد كثيراً في تقييم الواقع الجديد.