خبر : الوحش الإسرائيلي يلتهم نفسه ويخلق الدولة الواحدة ...بقلم: د. خالد الحروب

الإثنين 30 يونيو 2014 08:46 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الوحش الإسرائيلي يلتهم نفسه ويخلق الدولة الواحدة ...بقلم: د. خالد الحروب



على مدار عقود دأبت الاستراتيجية الإسرائيلية على السير في مسارات متوازية، منها خلق وقائع جديدة على الأرض يكون من الصعب تغييرها ويكون في مقدورها إزاحة قواعد الصراع بالاتجاه الذي ترغبه، ومنها تمزيق الأرض الفلسطينية بالاستيطان وانهاك الفلسطينيين سياسيا واقتصاديا وعسكريا طبعا، وتتوازى مع ذلك خطة دعاية متواصلة تحمل الفلسطينيين مسؤولية عدم الوصول إلى تسوية سياسية لأنهم "إرهابيون ورفضويون".
في ضوء الضعف الفلسطيني والعربي وتطاول القوة الإسرائيلية المدعومة من الغرب والولايات المتحدة اشتغلت الاستراتيجية الإسرائيلية بنجاح، وأورثت صناع القرار الإسرائيلي نشوة بالغة بالقوة وغرورا الى درجة العماء السياسي، حققت إسرائيل كل أهدافها وتجاوزت نقطة الإشباع واتجهت الآن الى مرحلة التآكل الذاتي.
خلال اكثر من عشرين سنة، هي عمر أوسلو الوليد المشوه والذي ازداد تشوها مع مرور السنوات، تمكنت إسرائيل من تخليق وضع فلسطيني كامل الفرادة في تاريخ الاحتلالات الاستعمارية، فعبر رسم هدف سرابي للفلسطينيين يحوم حول إمكانية إقامة دولة لهم (منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح) أُخضع الفلسطينيون وقيادتهم إلى سلسلة اختبارات لانهائية مُذلة كي يثبتوا انهم يستحقون تلك الدولة، لكن بالتوازي من ذلك استمرت استراتيجية إسرائيل في خلق وقائع جديدة على الأرض، خاصة استيطانية، تأكل من الأرض الفلسطينية وتنهش لحم ذلك الهدف حتى غدا من شبه المستحيل الوصول إليه.
إقليميا، تفاقم الضعف العربي وتُرك الفلسطينيون وحيدين في مواجهة الوحش الإسرائيلي المتغول، وفي أقصى لحظات التغول ذاك لم تؤد الظافرية الإسرائيلية الى غلبة التيار البراغماتي، الضعيف دوما في المعسكر الإسرائيلي، والذي يرى ضرورة استغلال الضعف العربي والفلسطيني والوصول الى تسوية تنتهي بشكل من أشكال الدولة للفلسطينيين وتكون في إطار خطة السلام العربية.
قدمت هذه الخطة فرصة تاريخية وفريدة لإسرائيل تقوم على اعتراف كل الدول العربية بالدولة العبرية مقابل دولة فلسطينية على حدود ١٩٦٧، ويُنقل عن الرئيس باراك اوباما وكثير من السياسيين الأميركيين اتهامهم الإسرائيليين بالغباء السياسي وقصر النظر بسبب عدم تبنيهم تلك الخطة، لأنها تقدم لإسرائيل ما كانت تحلم به طول عقود ويتمثل ذلك في علاقات طبيعية مع العالم العربي، لم يتم التقاط تلك المبادرة والتي لم يسمع بها اكثر من ٦٠ في المائة من الإسرائيليين، وعوض ذلك ازدادت قوة وشراسة اليمين السياسي والديني وفي القلب منه دولة المستوطنين.
على مدار سنوات أوسلو العقيمة تمكنت إسرائيل من تحويل السلطة الفلسطينية التي أمل الفلسطينيون ان تكون نواة دولتهم المستقبلية الى مجرد وكيل امني، يقوم عمليا بتنفيذ الأجندة الأمنية الإسرائيلية ويحمي امن المحتل، أدى ذلك، وكان من المحتم ان يؤدي، الى نتيجتين حتميتين لا مناص عنهما: الأولى تحطيم شرعية السلطة وقيادتها في نظر شعبها، والثانية تشتيت الجبهة الفلسطينية وتقسيمها، فالسلطة التي اتفق على ان تكون مؤقتة ونصت شهادة ميلادها الاوسلوية على ان عمرها لن يتجاوز الخمس سنوات أصبحت هي السقف الفلسطيني النهائي، وعليها وعلى حكومتها (فاقدة السيادة الحقيقية) يتنافس الفلسطينيون انتخابيا بل ويتقاتلون عسكريا كما حدث في غزة، وهدفها الرئيس والمزدوج هو إعفاء الاحتلال من مهماته المباشرة وعبء الاحتلال الإداري والمالي، والنيابة عنه أمنياً، وهذا ما حدث في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء ولو بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة.
لكن الآن وبعد ذلك كله وصلت الأمور كلها إلى طريق مسدود. فالسلطة الفلسطينية فقدت كل معنى لوجودها بعد حادثة اختطاف المستوطنين الثلاثة والتصريحات المتتالية التي صدرت عن قيادتها، وما تقوم به الأجهزة الأمنية من دور في التنسيق مع المحتل، لكن الأهم من ذلك ان الاستراتيجية الإسرائيلية وقد حققت كل أهدافها في خلق الوقائع على الأرض وفي تشتيت وإضعاف الفلسطينيين قد وصلت هي الأخرى إلى طريق مسدود، فقد أنهت فكرة حل الدولتين وأنهت الاعتدال الفلسطيني وكشفت ظهر القيادة السياسية الفلسطينية التي آمنت بالتسوية السلمية وانخرطت فيها عمليا منذ نهاية عقد ثمانينيات القرن الماضي، وعلى الأرض مزقت الجغرافيا الفلسطينية بشكل صار فيه قيام كيان فلسطيني متواصل ومعقول شبه مستحيل بسبب الخريطة الاستيطانية المتغلغلة في كل أنحاء الضفة الغربية. لم تبق إسرائيل أمام الفلسطينيين أي حل سوى رمي كل المسؤولية في وجهها والتخلي عن فكرة الدولتين والمطالبة بالدولة الواحدة التي هي الواقع الوحيد على الأرض، وليتحول النضال الفلسطيني الى نضال باتجاه المساواة المواطنية والمدنية في كل ارض فلسطين، وعند ذلك لتطبق "الدولة اليهودية" كما يريدها نتنياهو ويمينه الاستيطاني كل أنواع العنصرية على نصف السكان الموجودين على الأرض.
لن يتحمل عالم اليوم المعولم بإعلامه الكاشف واليومي واللحظي دولة عنصرية مفضوحة الممارسات على شاكلة جنوب إفريقيا. وعندما تُسحب من هذه الدولة كل المسوغات التي تستخدمها الآن للتغول في استراتيجيتها الوحشية، وخاصة مسوغ استخدام السلاح والتحول الى النضال الشعبي السلمي، فإنها ستفقد المبرر الذي تحوم به العالم للتحريض على الفلسطينيين وهو مبرر "مقاومة الإرهاب"!.
لكن يحتاج كل ذلك الى قرارات فلسطينية شجاعة وعلى مستوى كل القيادات تتضمن التخلص من السلطة وإعادة تسليم ملف القضية للأمم المتحدة، وإعادة عبء الاحتلال إلى المحتل نفسه، والتوقف تماما عن العمل العسكري واستبداله بالمقاومة الشعبية السلمية الشاملة (التي أسقطت أنظمة حكم عتيدة في العالم العربي وغيره)، والاتفاق على ذلك كله ضمن استراتيجية موحدة.

email: khaled.hroub@yahoo.com