مرة أخرى أعود للكتابة حول "الحرب العظمى" أي الحرب العالمية الأولى، بدون كثير من التكرار، ما يدفعني إلى ذلك، هو تزايد قناعتي بأن تلك الحرب هي التي غيرت خريطة العالم الذي نشهده اليوم، البعض يعتقد أن هذه الخريطة قد تغيرت بفعل الحرب العالمية الثانية، أو سقوط الاتحاد السوفياتي، أو نهوض الامبراطورية الأميركية الحديثة، أو أي متغير آخر، ما يجعلني أكثر قناعة بتأثير "الحرب العظمى" هو أن كل تلك المتغيرات ما كان لها أن تحدث لولا نتائج الحرب العالمية الأولى، التي كانت أبرز نتائجها سقوط ثلاث امبراطوريات عظمى، القيصرية الروسية، الامبراطورية الألمانية (النمسا والمجر)، والامبراطورية العثمانية.
لكنني أتناولها اليوم، لأن الثامن والعشرين من حزيران 1914، أي قبل مائة عام من يوم أمس، كان هو الشرارة التي ولدت تلك الحرب، لكن هناك سببا آخر، لهذا التزامن، وحيث تشتد قدرات "المنظمات الجهادية" مؤخراً في منطقتنا العربية، فإن العودة إلى ذلك المراهق الشقي الطالب الصربي غافر يلوبرنشيب الذي أطلق النار على وريث العرش النمساوي ـ المجري من مسدس براوننغ، حيث كانت شرارة الحرب، لم يكن سوى أحد أفراد مجموعة "القبضة السوداء" والتي يترجمها البعض "باليد السوداء". كانت عن مجموعة مسيحية بالكامل، باستثناء مخطط عملية الاغتيال الذي كان مسلماً من البوسنة واسمه محمد باشيك.
وبالتأكيد، فإن الحرب العظمى، الحرب العالمية الأولى، لم تندلع بسبب ذلك الاغتيال، فالأمر ليس صدفة بالتأكيد، بل يعود إلى مجموعة عوامل سياسية، ذات طبيعة "إمبريالية" بالدرجة الأولى، غير أن عملية الاغتيال، كانت الشرارة التي وفرت زمنياً عناصر اندلاع تلك الحرب.
وككل حرب، تختفي وراء أسبابها، عناصرها ذات الطبيعة الاقتصادية، مع تغطية من التطرف القومي، فالتنافس بين فرنسا والمانيا على أسواق أوروبا كان قد بدأ قبل تلك الحرب بقليل، في وقت كان التنافس شديداً بين ألمانيا الصاعدة اقتصادياً، وبريطانيا التي بدأت عظمتها تترنح وتتراجع. معظم مفكري تلك الفترة، خاصة بروز الأيديولوجية الماركسية كانوا يعتقدون أن التنافس بين قوى الاقتصاد ونمو راس المال، سيدفع تلك الدول إلى حرب عظمى، إلاّ أن خطأ هذه الأفكار، برز مع تداعيات ونتائج الحرب هذه، اذ تبين، أن الصراع ليس بين هذه الدول على اقتصاديات وأسواق أوروبا، بل في صراع على دور امبريالي "انتدابي" على دول العالم الثالث، ليس من حيث الأسواق فحسب، بل صراع على المواد الخام اللازمة لاستمرار القدرات الصناعية لدول أوروبا.. أما فيما يتعلق بالأسواق الجديدة، فإن الركود الاقتصادي في أوروبا في تلك الفترة، ترك آثاره السلبية المدمرة على تضخم رأس المال في موازاة تراجع القدرة على الاستهلاك، الأسواق الجديدة ستحل هذه المعادلة الصعبة.
الأيديولوجية الماركسية، التي عالجت في الجوهر، مسألة تركز رأس المال، اخفقت في تداعيات هذا التركز، واعتقد مبشروها، بأن الصراع بين دول أوروبا على الأسواق المحلية، وفي اتحاد قوى رأس المال في مواجهة مع عمال المصانع، سيشكل الحل بعد فترة زمنية من الصراعات والثورات الداخلية، وفي اطار هذا المفهوم، كان للمفكرة الألمانية روزا لكسمبورغ رأي طليعي مبكر، حيث اعتبرت في ذلك الوقت أن الرأسمالية هي بطبيعتها إمبريالية، وقد استمدت أفكارها من "ماركس" غير أنها اختلفت معه فيما يتعلق بأن الصراع بين الدول ليس داخلياً ورأسمالياً فحسب، بل هو استعماري امبريالي، بحثاً عن الأسواق والمواد الخام، وهذه الأفكار اعتمد عليها "لينين" عام 1917 عندما أشار إلى ذلك في كتابه الشهير "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" مؤكداً أن سبب الحرب العظمى يعود أساساً إلى صراع من أجل اقتسام العالم، هذه الأفكار لم تكن متداولة قبل الحرب وأثناءها، غير أن تلك الحرب، أسقطت امبراطوريات، لكنها أيضاً أسقطت نظريات فكرية ظلت سائدة لتفسير الدوافع الحقيقية وراء تلك الحرب.
لم يكن من الممكن تفادي تلك الحرب، بالضبط، وكما يحدث الآن، إذ ان تداعيات التحركات الثورية والجهادية والشعبية انطلاقاً من المنطقة العربية، لا يمكن لها أن تتفادى المد "الجهادي" الإرهابي وصعوده وربما سيطرته على مقومات تلك المنطقة الحيوية للعالم أجمع.
ما تشهده المنطقة العربية من تزايد النفوذ الإرهابي، يعيدنا من جديد للحديث عن إحدى نتائج الحرب العالمية الأولى المتعلقة بمنطقتنا، نقصد بذلك تقسيم هذه المنطقة بين الاستعمارين، الفرنسي والبريطاني تحديداً، فيما بات يعرف باتفاق سايكس ـ بيكو عام 1916، يقول ماركس، إن التاريخ يعيد نفسه، مرة على شكل ملهاة، وأخرى على شكل مأساة، لكننا اليوم نشهد أن التاريخ يعيد نفسه مأساوياً وساخراً في نفس الوقت، إذ ان كل الجهود الوطنية والقومية العربية، وفي مواجهة المد الإرهابي، يحاول باتجاه هدف واحد وحيد: الإبقاء على تقسيم حدود سايكس ـ بيكو!! الإرهاب يحاول أن يوحد المنطقة تحت سيطرته، والنضال العربي اليوم، يجهد للإبقاء على تقسيم سايكس ـ بيكو في مواجهة المد الإرهابي، هي مأساة ساخرة، تدفعنا من جديد لإعادة قراءة الحرب العالمية الأولى بدقة أكثر!!
hanihabib272@hotmail.com


