انتظرت إسرائيل او توقعت او بنت تخطيطها وتقديراتها على ان عملية الخطف او الأسر القادمة لاحد جنودها، سوف تتم من نفق آخر تحفره "حماس" على حدودها مع غزة، لكن المفاجأة ان العملية التالية ان ثبت أنها كذلك، جاءت من قلب مربعها الأمني في الضفة أي من حيث لا تحتسب، وكان هذا هو الخطأ الاستراتيجي القاتل في الحسابات وعقلية التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي، إذا كان الفلسطينيون هم الذين طبقوا او فهموا قاعدة كلاوزفيتز بعدم المناورة في الحرب القادمة او العملية القادمة بنفس مناورة العملية السابقة.
لكنني أظن أن الإشارة التي تحملها هذه العملية الى المستقبل، هي التي تحمل الدلالة الاستراتيجية في سياق هذا السجال المتطاول بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهذه الإشارة مفادها التحول النوعي في مستوى التخطيط الاستراتيجي للعمليات الفلسطينية غير المتوقع. وعلى مستوى الأداء العملياتي في ظروف تبدو مستحيلة او غير ممكنة من الناحية الأمنية واللوجستية، وهو تحول لا يمكن فهمه خارج سياق من التراكم التدريجي والمتصاعد في محاولة الفلسطينيين التغلب على التفوق العسكري الإسرائيلي في ميدان القتال، بالحيلة الدفاعية كبديل وحل لهذا التناقض.
والواقع ان "حماس" شرعت في السنوات الأخيرة في تطوير نوع من هذا الحل او الجواب الاستراتيجي المزدوج او ثنائي الأبعاد، لتحقيق مستوى من الردع من جهة والقدرة على تنفيذ عمليات تكتيكية نوعية في أوقات وظروف محددة او مختارة لتحقيق أهداف او نتائج سياسية، كعملية اسر الجندي جلعاد شاليت. وهذه الاستراتيجية المزدوجة تقوم على عنصري الجمع بين القدرة على الهجوم من السماء من خلال تطوير منظومة من الصواريخ بعيدة المدى باتت تصل الى حيفا، والتخفي تحت سابع طبقة من الأرض عبر حفر الأنفاق لتأمين الحماية الدفاعية لمنظومتها الأمنية، إزاء التفوق الإسرائيلي الاستخباراتي من الجو عبر طائرات الاستطلاع، كما على الأرض بما تملكه من العملاء، وان الصواريخ القادرة على الوصول الى تل أبيب على سبيل المثال والأنفاق، إنما هما ذراعا "حماس" وردها الاستراتيجي على اختلال توازن القوى من جهة لمصلحة إسرائيل، وافتقاد العمق الجغرافي او التضاريسي المواتية للتخفي كما في فيتنام والجزائر.
ولكن هذا الغياب للعمق والاتساع الجغرافي في قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، سوف يلعب منذ البداية نقطة ضعف كعب اخيل، ويلعب على نحو قدري كمأزق متبادل ومزدوج ومشترك للطرفين الإسرائيلي والفلسطينيين على حد سواء، اذا كانت رقعة فلسطين الجغرافية التي تصل مساحتها اقل من مساحة محافظة حمص السورية، لا تتيح لأي من الطرفين هامشا من المناورة يكفي لتحقيق الحسم العسكري.
وهذه المواجهة التي تجري على مسافة الصفر بين مجاميع متقاربة من السكان والمدن، وحيث تل أبيب على مرمى صاروخ من غزة، وربما في وقت لاحق على مرمى قذيفة هاون من الضفة. وحيث لا غزة ولا الضفة مدن تحتمل هذه الغارات والقذائف التي يمكن ان تلقي بها طائرات من عائلة "اف16 او35"، لم تعد أصلا لمواجهة قتال حروب العصابات، فهل رأينا بعد ذلك في نموذج الحرب على غزة نهاية العام 2008، كيف ان النتيجة الوحيدة التي يفضي إليها مفهوم الحرب الواسعة هو تقرير جولد ستون؟ وموجة الغليات التي اجتاحت العالم من هذا التجاوز غير المعقول او المقبول في استخدام وسائل القوة والتدمير؟ وحيث سيقول المفكر الفرنسي شتوبريان منذ زمن بعيد عندما تتحول الوسائل التي تستخدمها في تحقيق أهدافك لأن تصبح هي المشكلة، فإن طموحاتك تتحول عندئذ لأن تصبح جريمة.
ان الفلسطينيين والإسرائيليين سوف يظلون أسرى هذا المأزق المشترك والمتبادل، طالما ان الحلول التي يطرحها رجل مثل الرئيس أبو مازن هي التي يتم إقصاؤها الآن، وفي السجال بين روما وقبائل الهوون والقوط أي بين جيش اشور "والفئران"، فإن هذه الأخيرة هي التي تقرض دروع اشور، كما يمكن ان يخرج الفلسطينيون فجأة من تحت الأرض او متخفين بثياب الجنود الإسرائيليين او يلبسون "طواقي" المستوطنين، ليقرضوا ويقوضوا درع إسرائيل الأمنية ويمرغوا انفها في التراب.
لا يدلنا التاريخ عن انتصار يحققه الغزاة او الغرباء المستعمرون، وإنما هو حافل بالفصول التي تعرض تحول هذه المغامرات الى جرائم حينما لا تستطيع او تعجز الوسائل الحربية الفتاكة والمدمرة، القصف البساطي البرتقالي لطائرات "بي تي 52" الأميركية في فيتنام، والقتل بالجملة في الجزائر وحشود المتظاهرين في بنزرت. وحيث يغدو هذا التنكيل الذي يصل الى حد الجرائم الحربية كما في الحرب على غزة العام 2008 والخليل اليوم، الى ان يكون قرب النهاية. نهاية هذا الاستعمار الذي لا يبقى أمامه بالأخير سوى ان يحمل عصاه ويعود من حيث أتى.
لا حل آخر لهذا المأزق، وقد فشل الحل العسكري سوى ان يهرب الإسرائيلي وقد سلم له الفلسطيني بحرا من الأرض على حدود العام 1948، من هذا التمدد القاتل في الاستيطان في الضفة. وان أعطت هذه العملية إشارة ثانية الى المستقبل فإن هذه الإشارة ان الاستيطان غير آمن.
لقد حاربوا على مدى الخمسين عاما بعد ان أفاقوا من صدمة النكبة بلا توقف او هوادة او كلل من المنافي ومن على ارض فلسطين. في حروب ومعارك متصلة، حروب عرفات المتطاولة على السياج القوس الممتد من خليج العقبة حتى رأس الناقورة وصولا الى رام الله، كما حروب "حماس" من غزة، حركة تسلم لحركة، جيل صدمة 1948 وجيل الانتفاضة الرصاص والحجارة، الى الحد الذي كان بوسعهم محاربة الجيوش العربية التي حاولت ان تعترضهم، وقد حاربوا على جبهة الرموز كما الإعلام والثقافة والدبلوماسية المفاوضة وحتى بأمعائهم الخاوية، ومن الأنفاق تحت طبقات الأرض ومن على السماء بخطف الطائرات في مهاد وطفولة الفصائلية الفلسطينية، وديع حداد وليلى خالد، كما حروب ابو اياد "أيلول الأسود" الخفية، السجال السري الذي غطى القارة الأوروبية في حقبة من الزمن.
ولقد قتل العدو الكثير من قادتهم وخيرة كوادرهم على مدى هذه الحروب، ودخل معتقلات إسرائيل ما يقارب الـ800 ألف من شباب ونساء الفلسطينيين وحتى أطفالهم وشيوخهم، ولكن كل ذلك لم يُلن عريكتهم او يكسر إرادتهم او يثني عزيمتهم على مواصلة الاستعداد للقتال، وحيث ينتجون هذه الثنائية المزدوجة العبقرية ان شئتم في تقاسم المهمة او العمل، ابو مازن و"حماس" التناقض الفلسطيني الخلاق.
هل نفهم نحن أولا ان كل ما يحدث إنما يهدف الى فك هذا التلاقي بين ابو مازن "فتح" و"حماس"؟ وحيث يصمد هذا التلاقي في أول وأقسى اختبار؟ لقد خرجنا إذاً، من الامتحان "لا ادخل في سجال مع ابو مازن" قال خالد مشعل: برافو هذا الأداء، وقال الرئيس لا دليل على ان "حماس" فعلتها. وهذه عملية سوف يظل يغلفها الصمت، الصمت الذي سيقتل بنيامين نتنياهو بالأخير. وهذه عملية أظن انه لن يكشف عن أسرارها وحل لغزها، إلا عندما تنضج إسرائيل الداخلية للشروع بالتفاوض الجدي لا مع "حماس" وإنما مع ابو مازن على محتويات الصندوق كله، فحين يوجه الصقر ضربته القاتلة الى جسد فريسته، فإن كلمة السر تكون في التوقيت.
إنها اللحظة التاريخية الفاصلة التي بلغت فيها قوة إسرائيل وافتخارها بقوتها على حد سواء، آفتها التي افترست من قبل اخيل واودت بيوليوس قيصر، وحيث يبدو الفلسطيني المطروح أرضا في كل مرة قادرا على النهوض ومفاجأة عدوه بتسديد لكمة قوية الى وجهه. وبهذا المعنى او الدلالة ربما كانت هذه هي العملية التي تسجل لبداية انطلاق الموجة الفلسطينية الثالثة، التي خمدت أوارها بمتقل عرفات قبل عشر سنوات لترسم خلاصة على الحائط وحقيقة بأن المأزق المشترك للفلسطينيين والإسرائيليين قد نضج حله الآن على وقع هذه النقطة الأخيرة، التي سجلها الفلسطينيون بعد ان ثبت ان القضاء على الفلسطينيين ليس سوى الوهم القاتل الذي يتبدد الآن.


