خبر : المقاومة في فضاء "فيس بوك" ...بقلم: عبد الناصر النجار

السبت 28 يونيو 2014 10:08 ص / بتوقيت القدس +2GMT
المقاومة في فضاء "فيس بوك" ...بقلم: عبد الناصر النجار



في السنوات الأخيرة، اقتحم الإعلام المجتمعي فضاء المواطنين، وأصبح جزءاً أساسياً من حياة غالبيتهم، بل إن الإنترنت أصبح في معظم الأحداث الوسيلة الأولى لنقل المعلومات، ولكن دون تفحصٍ لصدقية هذه المعلومات ولو بالحد الأدنى، لتصبح هذه المعلومات في بعض الأحيان ككرة الثلج تتدحرج دون أن يعمد أحد إلى فرملتها.. وكأن هناك من يتعمد إيصال المعلومة بطريقة مشوشة.

عند المقارنة بين وسائل الإعلام التقليدية والمجتمعية، وأهمها "فيس بوك" و"تويتر" نلاحظ اختلافاً كاملاً في التعامل بشكل منهجي مع الأحداث، ولعل السبب الأهم في هذا الاختلالف يرجع لمبدأ المحاسبة، ففي الوقت الذي يكون فيه لكل مواطن الحق في محاسبة وحتى محاكمة ومعاقبة وسيلة إعلام تقليدية لنشرها معلومة غير صحيحة أو مشوشة، فإنه لا يستطيع فعل ذلك مع أدوات الإعلام المجتمعي الحديثة؛ لأن المحاسبة تصبح ضرباً من الخيال، ذلك أنه لا يوجد من يتحمل المسؤولية الأخلاقية أو المجتمعية عن تلك الأخطاء.. ولتأكيد ذلك نأخذ الأحداث التي عصفت بالضفة الغربية عقب اختفاء ثلاثة مستوطنين سواء من ناحية نقل المعلومات أو التعليق عليها.. ونحن هنا لن نتدخل في الحديث عن التعليق لأنه رأي الفرد.. ولكل مواطن الحق المطلق في التعبير عن رأيه، وإن حاول البعض أن يضع ضوابط أخلاقية أو ما يشبه مدونات سلوك حتى لا يتضرر المجتمع باختلاط الحابل بالنابل، ولكن سنحاول هنا رصد تدفق المعلومات عبر هذه الوسائل، وهي في كثير من الأحيان غير صحيحة أو مبالغ فيها. وفي بعض الأحيان تهدف إلى نشر الإشاعات من جهات متعددة.
الأسبوع الماضي، وعلى سبيل المثال، انتشرت مجموعة من هذه الشائعات، ومنها إعلان محافظة رام الله والبيرة منطقة عسكرية مغلقة يمنع التحرك فيها، والبعض أضاف إلى هذه المعلومة أن قوات الاحتلال تستعد لاجتياح المحافظة.. بل كانت هناك اتصالات أجريت مع كثير من الناس تدعوهم للتزود بالمؤن لأن الاجتياح سيكون لمدة طويلة...
الأخطر من ذلك أن بعض وسائل الإعلام التقليدية بدأت تنقل عن الإعلام المجتمعي، وكأن معلوماته مؤكدة، وأخذت ترددها دون حد أدنى من المهنية، وبالصدفة كنت أستمع لمحطة إذاعية تردد الإشاعة نفسها. بل إن الأخطر من ذلك أن المذيعة كانت تطالب المسؤولين بتأكيد هذه المعلومة، وهنا كان على المحطة الإذاعية التأكد من المعلومة من المصادر المسؤولة ثم إذاعتها على الهواء، فعدم الاعتماد على مصادر مجهولة يعتبر من أهم الأسس المهنية للصحافة.
في الوقت نفسه، تنتشر آلاف الصفحات الإلكترونية بأسماء وهمية ولها أجندات مختلفة، وهذا ليس سراً بل حقيقة يعرفها الصغير قبل الكبير. وهناك عشرات بل مئات الأمثلة عليها مع أنها تتناول مجالات كثيرة ليست سياسية فقط بل اقتصادية واجتماعية وثقافية، ولنا في بعض جرائم قتل النساء مثال، حيث تصبح المعلومات المتدفقة عبر مواقع الإنترنت أشبه بالحقيقة، فهي التي تحدد أسباب القتل دون تحقيق أو تحقق، وتصبح القاضي الذي يصدر الأحكام في لحظات دون الاستناد إلى حقائق موضوعية ثم تبدأ بنهش المجتمع، دون التركيز مثلاً على مفاهيم التوعية وما إلى ذلك.
ومن القضايا الخطيرة للإعلام المجتمعي تشكيل الرأي العام الافتراضي غير الواقعي... بحيث يتهيأ للبعض أن هناك طوفاناً من البشر قد تمت تعبئتهم باتجاه القضية المثارة، ولكن هذا الرأي العام معلق في الهواء ليس له على أرض الواقع تأثير كبير، ولنا في قضية إضراب الأسرى الإداريين مثال على ذلك، فقد تفاعلت مئات الآلاف من صفحات الإعلام المجتمعي مع الحدث، وتم تداول المعلومات حول إضراب الأسرى بأدق تفاصيلها، بحيث كان يتهيأ لكل متابع وكأنه تم تشكيل رأي طوفاني قادر عند تحركه على قلب كل المعادلات على الأرض، ولكن العكس هو الصحيح، فمع هذا الزخم اللامحدود في فضاء الإنترنت لم نشاهد أن غالبية المشاركين في التعليقات سواء على "فيس بوك" أو "تويتر" قد تحركوا فعلياً على الأرض، وهذا هو الأكثر أهمية... فالمسيرات التي انطلقت منذ اليوم الأول لإضراب الأسرى عن الطعام كانت محزنة عددياً، كونها اقتصرت على ذويهم وقليل من المتعاطفين، ولم نلحظ المسيرات المليونية بل التي تضم آلافاً على الأقل، على النقيض مما كانت توحيه لنا وسائل التواصل المجتمعي، وهذا لم يقتصر على المسيرات فقط، بل على خيام الاعتصام التي انتشرت في كثير من المناطق وكان يكتب عنها رغم أن معظمها كان شبه فارغ وبعضها نصب على المفترقات وترك فارغاً.
بناءً على ما تقدم، فإن المقاومة في فضاء الإنترنت تبقى قاصرة ضعيفة، تعمل على التفريغ النفسي، والأخطر من ذلك كله هو اعتقاد البعض أن مقاومته عبر الكلمة في فضاء الإنترنت تغنيه عن المشاركة بالفعاليات على أرض الواقع، ولهذا أصبح لزاما علينا جميعاً التنبه إلى مخاطر هذا الفضاء وحتى لا تصبح القضية الفلسطينية جزءاً من الفضاء الوهمي ويجري تحرير فلسطين مليون مرة في فضاء الإنترنت، دون أي تغيير على أرض الواقع.