خبر : السعي الأميركي لإفشال سورية....بقلم: هاني عوكل

الجمعة 27 يونيو 2014 09:25 م / بتوقيت القدس +2GMT



لا يمكن بأي حال من الأحوال التغاضي عن تصريح مهم صادر عن الرئيس الأميركي باراك أوباما، قائد أقوى دولة في عالمنا الحديث، واللاعب المؤثر في الساحة الدولية حيث تدفع سورية وشعبها ثمن هذا اللعب الدولي في نزاعها الداخلي.
أوباما استبعد من أن تتمكن المعارضة المعتدلة من هزيمة النظام السوري، معتبراً ذلك أنه أمر غير واقعي وخيال سياسي لا يمكن تحقيقه، ويبدو أن الرئيس الأميركي توصل إلى هذا الاستنتاج من عدة عوامل، أبرزها التفوق الذي تحققه القوات النظامية السورية على الأرض، على حساب المعارضة هناك.
ربما يعود العامل الثاني بنظر أوباما إلى التشتت الملاحظ في صفوف المعارضة السورية، خصوصاً حتى في معسكرها المعتدل والجدال الذي حصل مؤخراً بين القيادات العسكرية والسياسية في الائتلاف الوطني السوري المعارض.
هذا التشتت أضعف المعارضة في الداخل السوري، وجعل منها قوى متعاركة توجه السلاح فيما بينها، الأمر الذي يراه أوباما أن توسع سلطة "داعش" جاء نتيجةً للفراغ السياسي في سورية، ولهدف أساسي يتصل بجمع السلاح والتزود بالموارد التي حققت لهذا التنظيم السيطرة على مناطق سورية على حساب باقي أطراف المعارضة.
تصريح أوباما هذا لعله أقفل الباب على الجدال المستمر منذ فترة، بشأن نوع المساعدات الأميركية إلى المعارضة المعتدلة، ذلك أن رئيس الائتلاف الوطني أحمد الجربا وفي زيارة سابقة إلى واشنطن، طالب خلالها من أوباما ضرورة تقديم مساعدات عسكرية نوعية تمكن المعارضة السورية من إحراز تقدم على الأرض في نزاعه مع قوات النظام.
يفهم من تصريح أوباما أنه غير معني بتقديم أسلحة فتاكة إلى المعارضة المعتدلة، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي ألمح بأن إدارته استهلكت الكثير من الوقت في مساعدة المعارضة المعتدلة، دون أن تحقق الأخيرة إنجازاً يؤهلها لإسقاط النظام السوري.
أحمد الجربا فهم تصريحات أوباما بأنها تمثل رسالة على أن المعارضة ينبغي عليها أن تنظم صفوفها وتواجه التحديات بالإمكانيات المتاحة، وبالانصراف عن المطالبات المتكررة بتقديم أسلحة نوعية.
ربما لا يريد أوباما أن يصنع وحشاً جديداً نتيجة تقديم الدعم الغربي ولسوء إدارة المعارضة في التعامل مع النزاع السوري الجاري، مع العلم أن القتال الذي دار بين المعارضة المعتدلة ورديفها المتطرف، أدى إلى استيلاء الأخيرة على مخازن سلاح الأولى، وهو الذي وفر الإمكانيات للمعارضة المتطرفة من بسط سيطرتها وتعظيم نفوذها على حساب نظيرتها المعتدلة.
وقد يكون صحيحاً أن إدارة أوباما لا تقدم أسلحة فتاكة للمعارضة المعتدلة، لكنها توفر الأسلحة التي تمكن من إطالة أمد القتال، وربما هذه سياسة الإدارة الأميركية المتعلقة بإدارة النزاع وإبقائه في حدود حرب استنزافية طويلة المدى ومن شأنها أن تؤدي إلى شلل سورية البلد والشعب.
قبل تصريح أوباما هذا، كانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، تنتقد سياسة إدارة الرئيس في التعامل مع الأزمة السورية، وأرادت كلينتون أن تكون المساعدات مؤهلة لإحداث تغيير حقيقي في سورية.
كذلك الحال بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي اعتبر أن ما يحدث ويجري في العراق هو نتيجة تقاعس الغرب في التعامل مع الأزمة السورية، وأنه كان ينبغي منذ البداية تقديم موقف غربي حاسم تجاه هذه الأزمة.
هل يمكن اعتبار سياسة أوباما إزاء سورية تعبير عن فشل الإدارة الأميركية في التعاطي مع هذه الأزمة؟ قد يكون ذلك جائزاً، وقد يتعلق الأمر برغبة أميركية لإبقاء الأمور على حالها، بما يعني تقديم معطيات جديدة تقوم على إضعاف سورية واستنزافها إلى جانب العراق، في نزاعات داخلية طويلة.
ويبدو أن هناك سيناريوهات متنوعة ومتناقضة في ذات الوقت تتعلق بالموقف الأميركي من النزاع السوري، منها على سبيل المثال أن أوباما بدأ يقر مع الوقت بأن المعارضة لن تتمكن من حسم النزاع وأن الأخير سيتم حله عسكرياً لصالح النظام السوري.
هذا السيناريو مرتبط بتصريحات صادرة عن الرئيس بشار الأسد، بعيد ترشحه وانتخابه رئيساً للبلاد لولاية ثالثة، حيث قال إن الغرب بدأ يغير موقفه ويرسل إشارات تعبر عن هذا التغير، خصوصاً مع تعاظم القوى المتطرفة وتنامي قوة "داعش".
قد يجوز أن الإدارة الأميركية تضع وجود الأسد رئيساً للبلاد في الميزان، من حيث أن تكلفة وجود الرجل في السلطة أقل بكثير على الولايات المتحدة وحلفائها، من تكلفة عدم وجوده في حال انزاح عن الحكم واحتمال سيطرة قوى متطرفة على السلطة في سورية.
وقد يجوز أيضاً أن الولايات المتحدة ساكتة عن ما يدور في سورية، لأنه لا يهمها لا الرئيس بشار ولا كل قوى المعارضة المعتدلة والمتطرفة منها، والذي يهمها هو بقاء القلاقل تهدد الشرق الأوسط وتضعه في حفرة عميقة من التخلف والتبعية للغرب.
وبالإضافة إلى هذه السيناريوهات، لربما أن واشنطن تضع في أولوياتها مثلاً الأزمة الأوكرانية ومعركة كسر العظم مع الدب الروسي هناك، أو أنها مستفيدة من حالة اللا يقين التي تصيب سورية، متحينةً الوقت المناسب للمساومة على الملفات المعقدة مع روسيا الحليف الرئيس والأهم لسورية في نزاعها مع المعارضة.
سيناريوهات كثيرة يمكن تناولها في هذا الإطار، لكن الحقيقة الثابتة هنا أن الولايات المتحدة معنية بوصول سورية إلى الدولة الفاشلة، ويهمها أن يطال التخلف كل أركان هذا البلد، إضافةً إلى أن المجتمع الدولي متواطئ في عدم حل الأزمة السورية، كما هو متواطئ في عدم حل أزمة أوكرانيا والعراق.
إن اختصار المجتمع الدولي في بعض القوى الدولية المؤثرة على الساحة العالمية، سيعني أن النزاع في سورية مستمر وعلى أشده، وفي ظل معطيات الأمر الواقع، يبدو أن الدول المنخرطة في النزاع السوري، وهي نفسها المنخرطة في نزاعات كثيرة بالعالم، اتفقت على أن لا تتفق على الحل.

Hokal79@hotmail.com