بينما كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري يعقد اجتماعه مع رئيس وزراء العراق نوري المالكي، في زيارة مفاجئة في اطار جولة كيري في المنطقة، اضطرت هيئة الأركان العراقية إلى الإعلان عن أن أكبر مصفاة للنفط في البلاد قد سقطت بالكامل بيد مسلحي "داعش" وأنصارها، مع استمرار التقدم باتجاه ابتلاع المزيد من الأراضي والنقاط الحساسة بعد نجاح "داعش" في السيطرة على منافذ البلاد الحدودية مع كل من سورية والأردن.
السيطرة على مصفاة بيجي، ذات أهمية بالغة بالنسبة لداعش وأنصارها، إذ تعتمد العراق على إمدادات النفط المكرر على هذه المصفاة التي تزوده بثلث حاجته من الطاقة، الأمر الذي سينعكس سلباً وبالتأكيد على ما تبقى من مناطق ما تزال بيد الحكومة المركزية، على صعيد احتياجات المواطنين من ناحية، والاحتياجات العسكرية والأمنية من ناحية ثانية، بإمكان العراق التزود بحاجاته من امدادات النفط المكرر من ايران، غير أن ذلك يستوجب بنية تحتية هي غير جاهزة، وللوصول إلى ذلك هناك وقت ليس بالقصير، ومع أن الحكومة العراقية أعلنت أن صهاريج النفط بدأت بالوصول إلى بغداد وجنوب العراق ـ نقصد النفط المكرر تحديداً ـ إلاّ أن أزمة نفطية حادة ستعاني منها المناطق التي ما تزال تحت سيطرة الحكومة المركزية.
وبالمقابل، فإن سيطرة "داعش" وأنصارها على مصفاة بيجي، سيوفر لهذه القوى الإرهابية إحدى أهم العناصر التي تسببت في كثير من الأحيان، بعدم قدرتها على منازلة خصومها في ساحة الإسلام السياسي في سورية، ومواجهة قوات النظام المركزية، لصعوبة إمدادات المحروقات لوسائلها القتالية، أما الآن، وبعد السيطرة على مصفاة بيجي، فإن ميزان القوى سيميل بشكل أوضح لصالح هذه القوى الإرهابية في العراق كما في سورية، هذا على المستوى التكتيكي الآني والمنظور.
غير أن الأمر، يتجاوز التكتيكي إلى الاستراتيجي، ذلك أن تمدد القوى الإرهابية بقيادة "داعش" لتهدد بعد سورية والعراق، منابع النفط في الخليج العربي، هو أحد أهم دوافع الخوف لدى الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية عموماً. الخريطة التي نشرتها "داعش"، والتي سبق وأن أشرنا إليها في مقال سابق، والتي تضم الكويت تعني بشكل واضح، أن داعش، تفكر في النفط أكثر مما تفكر "بالخلافة الإسلامية" فقد تجد الدول الغربية بديلاً لنفط العراق، لكن ذلك سيكون صعباً أو مستحيلاً، إيجاد بديل كاف ورخيص، كنفط الخليج العربي، خاصة وأن الإمدادات النفطية من ليبيا متوقفة تقريباً وليس هناك من أمل قريب في إعادة إمداد الغرب بالنفط الليبي على ضوء جملة من المعطيات الراهنة في ليبيا، وبالنسبة لأوروبا تحديداً، فإنها في مشكلة إضافية، ذلك أن هناك إشكاليات في "ابتزاز" الاتحاد الروسي لتزويد أوروبا بالغاز عبر اوكرانيا، وفشلت حتى الآن في إيجاد حل يكفل للاتحاد الأوروبي الوقوف في وجه الروس في المسائل المتعلقة بأوروبا بشكل عام، لذلك لا يمكن للاتحاد الأوروبي الاعتماد على الروس في تزويدهم بالنفط، كما هو الحال مع الغاز، كبديل عن نفط الخليج العربي، في حين ان الولايات المتحدة، قد تجد بدائل محتملة من خلال نفط فنزويلا، رغم ما في كل ذلك من صعوبات على ضوء حالة العداء المستحكمة بين أميركا وفنزويلا.
المسألة النفطية تكاد تغيب عن تحليلات وآراء الكتاب في معالجة تأثيرات التمدد الذي جرى مؤخراً، والمتوقع أن يستمر بقيادة "داعش" في هذه المنطقة التي تعتبر شريان الحياة للعالم كله من خلال امتلاكها لمنابع الطاقة.
وقد تكون "داعش" عاجزة عن تهديد مناطق النفط في الخليج العربي في الزمن المنظور، غير أنها وفي واقع الحال، باتت تهدد منابع النفط في كردستان العراق، وهي الآن على تخوم مدينة كركوك النفطية فعلاً، وإذا كانت كردستان العراق قد تشكل حلاً مؤقتاً لتزويد الغرب بالنفط، كما هو الحال الآن، فإن ذلك رهن بالتطورات اللاحقة، وربما مسألة وقت ليس إلاّ!
وحتى وقبل أن تتمدد داعش غرباً وجنوباً انطلاقاً من الموصل، فإن استمرار حالة الحرب التي فرضتها على المنطقة والعالم، هي بحد ذاتها تشكل خطراً آنياً داهماً على تزويد العالم وإمداده بالطاقة، ذلك أن من شأن هذه الحرب المفتوحة على كل الاحتمالات، أن تهدد وسائل إمدادات النفط، خطوط الإمداد، والناقلات البحرية. خطوط الإمداد تتأثر أيضاً في حالة الحرب من حيث نفقات النقل والتأمين الأمر الذي يؤثر مباشرة على اسعار النفط عالميا.
تدرك الولايات المتحدة والغرب عموماً، أن تفوقها وقدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية يعود نسبياً إلى استقرار منطقة الخليج العربي في العقود القليلة الماضية، من حيث استقرار الإمداد النفطي بأسعار رخيصة، وتم التغلب في معظم الأحيان على التهديدات التي شكلت استثناء في هذه الحالة، غير أن ما يجري اليوم، من الصعب السيطرة عليه، خاصة وأن فشل الولايات المتحدة والغرب في قراءة المسألة السورية والمصرية تحديداً، هو الذي أدى إلى ما يجري اليوم في عموم المنطقة!!
hanihabib1954@gmail.com


