بعد نحو 12يوما على عملية اختفاء "خطف" المستوطنين الثلاثة، وأكثر من أسبوعين على أزمة رواتب موظفي قطع غزة مع حكومة الوفاق الوطني "المصالحة" بدأت تتكشف في الأفق معطيات وحقائق جديدة لا أعتقد أنها كانت في حسبان اللاعبين على المسرح السياسي حيث فجرت هاتين القضيتين أزمات عدة في بيئة المصالحة، والساحة الفلسطينية، وإدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. وإذا كانت أزمة الرواتب أثارت غضب الموظفين في قطاع غزة، ودفعتهم إلى المبادرة إلى فعاليات احتجاجية عكست عمق المشكلات الكامنة في ملف المصالحة، فإن اختفاء المستوطنين الثلاثة فجر الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة، وأربك حسابات جميع الأطراف هنا وغير من أولوياتها.
فرغم أن ملف الرواتب من الملفات الهامة، والساخنة جدا إلا أنه لم يعد مقدما في أولويات حكومة الوفاق الوطني "المصالحة"، وباتت الأوضاع الأمنية الناجمة عن عملية اختفاء المستوطنين تفرض نفسها بصورة طاغية على التحركات والمواقف السياسية بسب ما خلفته من اضطرابات ومضايقات أمنية على الساحة الفلسطينية يمكن وصفها بغير المسبوقة، كما أن متابعة ملف المصالحة توقف بصورة شبه تامة بل بصورة تامة تماما وهو ما أعاد الجدل والشكوك للساحة الفلسطينية إزاء مصير ومستقبل المصالحة وملفاتها خصوصا بعد توقف عمل حكومة الوفاق بغزة بسبب المستجدات الأمنية في الضفة الغربية. أما على صعيد الأوضاع في الضفة الغربية فإن الإرباك بدا جليا في بيت الرئاسة والسلطة الفلسطينية، والاضطراب سيطر على حكومة الوفاق التي لم تظهر حتى الآن رؤية سياسية في التعامل مع الأزمة، وسبل التكيف معها بما يجعلها بعيدة عن ضغوط الاحتلال، وتبعات عملية الخطف، والمضي قدما في برنامجها الوطني وفق الأجندة والأولويات التي حددت بها، وهو ما يعيد ملف المصالحة من جديد إلى المربع الأول، ويدفع بالفصائل الفلسطينية للعودة إلى واجهة المسرح في إدارة الأوضاع الجديدة في ظل عجز حكومة الوفاق، وتصاعد ضغوط الاحتلال0
إن ما تبدى حتى الآن على صعيد ملف الرواتب، وتداعيات عملية اختفاء المستوطنين تشير إلى أن المصالحة الفلسطينية في أحسن أحوالها إلى "فريزر الثلاجة"، وأن الأوضاع تتدحرج باتجاه العودة إلى ما قبل المصالحة حتى مع استمرار الموقف الرسمي المعلن من استمرار حكومة الوفاق الوطني، والالتزام المتبادل من أطراف المصالحة بالمضي قدما في المصالحة وعدم العودة إلى الوراء، حيث أن حكومة الوفاق حتى الآن ما تزال عاجزة عن التعامل مع الملفات والمهمات المنوطة بها، وتواصل الهروب من القيام بمسئولياتها التي وجدت لأجلها.
فأمنيا: تدهورت الأوضاع الأمنية بصورة غير مسبوقة منذ اجتياح الضفة الغربية في العام 2002 وإعادة احتلالها، حيث عاودت سلطات الاحتلال اجتياح مدن الضفة الغربية من جانب واحد، كما عادت لسياسية الاعتقالات الجماعية والملاحقة والمطاردة وتجاهل وجود السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية بالدخول إلى الأراضي والمدن والمناطق الفلسطينية بصورة أحادية ، وطالت الاعتقالات مئات الكوادر والنشطاء من حركة حماس والفصائل الأخرى، كما تغول التنسيق الأمني بصورة غير مسبوقة، وتدنى الخطاب السياسي للسلطة لحد هزلي ومنبوذ في الشارع الفلسطيني، فيما تصاعد التهديد الإسرائيلي لكل ما هو فلسطيني لدرجة تهدد أمن وسلامة كل شيء وكل إنسان.
وفلسطينيا: لم تظهر حكومة الوفاق أي مقدرة أو كفاءة في مواجهة المستجدات، ومعالجة الاستحقاقات المتعلقة بمرحلة الوفاق الفلسطيني الفلسطيني، ولم تتمكن من إقناع الشارع الفلسطيني برؤيتها السياسية في إدارة هذه المرحلة، والوصول إلى الأغراض التي كلفت بها، بل إن خطابها الإعلامي والوطني عمق من عزلتها الداخلية، وأظهرها فارغة من القدرة على العمل والتحرك أمام المواطن الفلسطيني، وزاد من شكوكه في كفاءتها، وثقتها في عملها. وبات الوضع العام على حافة الهاوية بين أن تسارع حكومة الوفاق لحل مشكلة الرواتب بصورة وطنية ومسئولة أو أن تفتح الباب أمام أزمات داخلية معقدة تزيد من حجم وخطورة ومعاناة المواطن الفلسطيني، وتربك الساحة الداخلية.
إزاء كل ذلك فان المصالحة، وحكومة الوفاق لم يتبقى أمامها شيء لانجازه في المرحلة الراهنة سواء على مستوى الوضع الداخلي وأزمة الرواتب واستحقاقات المصالحة، أو على مستوى الحالة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث تقوم قوات الاحتلال بعملياتها العسكرية والمنية في جميع مدن وقرى الضفة فيما يقوم الطيران الحربي الإسرائيلي وقوات الاحتلال بقصف منظم لمدن قطاع غزة، وهو ما يعني أن التقدم نحو المصالحة لن يكون مجدي للفلسطينيين، وأن المطلوب منهم أن يعيدوا النظر في إستراتيجيتهم السياسية والمنية القائمة على التعايش مع الاحتلال، واستمرار التنسيق الأمني، والتسليم بالسماح بانتهاكات الاحتلال المتكررة، والبحث عن إستراتيجية جديدة تقوم على الانفكاك مع الاحتلال بصورة نهائية، وإدارة الصراع على قاعدة المواجهة المفتوحة مع الاحتلال حتى تحرير فلسطين أو إجبار الاحتلال على الاعتراف بحقوق الفلسطينيين واحترامها.


