نسمع كثيراً، هذه الأيام، وفي العراق على وجه الخصوص، مفردات وعبارات تُعَبِّر جميعاً عن "التَّظَلُّم الطائفي (والمذهبي)"؛ فعرب العراق من السنة، والذين (بمقاتليهم من أبناء العشائر، ومن جنودٍ وضباطٍ من الجيش العراقي في عهد صدام حسين، ومن جماعات إسلامية سنية) يبسطون (ويتوسَّعون في بسط) سيطرتهم العسكرية على مناطق قد تَنْتَظِم، عَمَّا قريب، أو مستقبلاً، في "إقليم سني (عربي)"، يتحدَّثون بكثرةٍ الآن عمَّا عانوه (على أيدي حكومة المالكي، بولائها الطائفي الشيعي) من إقصاء وتهميش وظلم واضطهاد طائفي؛ ومن قَبْل، وفي عهد صدام حسين، تحدَّث عرب العراق من الشيعة عن معاناة مماثلة، دامت زمناً طويلاً.
"الاضطِّهاد الطائفي (والمذهبي)"، هو، شكلاً ليس إلاَّ، اضطِّهاد يختص بالهوية والثقافة الطائفية (الدينية) لجماعة من أبناء المجتمع، أو من المواطنين؛ وهو، شكلاً أيضاً، يُعَبَّر عنه، من طرفيه معاً، بمفردات وعبارات طائفية دينية، وكأنَّه جزء لا يتجزَّأ من طرائق وأساليب إظهار وتأكيد "الإيمان الديني"؛ وهذا الاضطِّهاد الذي ضحيته الأولى هي "العقل" لدى طرفيه، يُفْهَم على أنَّه دعوة إلى إضافة مآسٍ ودماء جديدة إلى القديم المتقادِم منها؛ فبالدماء التي يسفحها الصراع الطائفي (والقتل، والتقتيل، على أساسٍ طائفي) تُسْقى العداوة الطائفية، والتي كلَّما شربت منه أكثر، اشتدت عطشاً، وكأنَّها كائن حي يشرب من ماء البحر المالحة.
إذا تَعَدَّيْنا "الشكل" إلى "المضمون"، نرى في "الاضطِّهاد الطائفي" اضطِّهاداً أوسع وأشمل وأعم؛ فالعربي السني في العراق، وفي عهد حكومة المالكي، يشعر أنْ سلبه "حقوقه الثقافية الطائفية" كان مَدْخَلاً لسلبه كثيراً من حقوقه بصفة كونه "إنساناً" و"مواطناً"؛ حتى "الحقوق السياسية" لهذه الجماعة الواسعة من المواطنين العراقيين تُسْلَب وتُنْتَقَص في سياق "الشكل الطائفي" من الاضطِّهاد (والظلم، والإقصاء، والتهميش).
وفي "المضمون" أيضاً، نرى جملة من المصالح الشخصية، والفئوية الضيقة، تتسربل باضطِّهاد حكومة المالكي (والأقربين من أهلها) للطائفة السنية العربية؛ فالنخبة المسيطرة الحاكمة في العراق ليس لديها من مقوِّمات البقاء السياسي (المُبْقي على امتيازاتها) إلاَّ ما يَشْحَن الصراع الطائفي بمزيد من "طاقته الوحشية"؛ فلعبة تأجيج الصراع الطائفي الكريه البغيض تشبه أنْ يأكل أسياد هذه اللعبة "اللحم"، تاركين "العَظْم" للعامة من أبناء طائفتهم، يتلهون به.
وفي الطرف الآخر، الذي يستبد به الشعور بالظلم والاضطِّهاد، لا تنمو، ولا يمكن أنْ تنمو، إلاَّ قوى سياسية من جِنْس هذا الصراع؛ فـ "خطاب التَّظَلُّم الطائفي" هو كل خطابها تقريباً. حتى حديث هذا الطرف (أو بعضه) عن الديمقراطية (والليبرالية السياسية والثقافية) في وجه عام، وعن "دولة المواطَنَة"، و"الدولة المدنية"، وعن ضرورة نبذ "الاقتسام الطائفي (والمذهبي)" للسلطة وهيئات الحكم، لا يمكن فهمه وتفسيره إلاَّ على أنَّه شكلٌ يتسربل به "التَّظَلُّم الطائفي"؛ وفي عالمنا العربي كُنَّا شهوداً على التصاق "الخطاب اليساري والشيوعي والليبرالي" بالأقليات القومية والدينية والطائفية والمذهبية؛ وكأنَّ هذه الأقليات رَأَت في هذه العقائد والاتِّجاهات الفكرية العالمية ما يَصْلُح طريقاً إلى خلاصها ممَّا اعتدته ظُلْماً قومياً، أو دينياً، أو طائفياً، أو مذهبياً، لحق، ويلحق، بها.
إنَّ كل "الثقافة الديمقراطية" و"الالتزام الديمقراطي لدى ديمقراطيينا"، في العالَم العربي، لا يكفي لـ "الاستجابة الديمقراطية (والليبرالية)" لهذا التحدِّي التاريخي الكبير الذي يُمثِّله التَّنَوُّع الديني والطائفي والمذهبي والقومي لدينا؛ وكأنْ لا صراع يشدنا إليه إلاَّ الصراع الطائفي، ولا تسوية لهذا الصراع إلاَّ التسوية الطائفية (التي قوامها "الأقاليم" و"الدويلات")!
-أسلحتها- و- الأيدي الموثوقة-!
لو سُئِلَت إدارة الرئيس أوباما عن السبب الذي منعها حتى الآن من تسليح المعارَضَة السورية (والجيش الحر) لأجابت على البديهة قائلة: "إنَّه الخشية من أنْ تَصِل أسلحتها (أو بعض أسلحتها) المتطورة، في طريقة ما، إلى أيدي جماعات متطرفة وإرهابية (كمثل "داعش" و"النُّصرة")"؛ لكنَّها تحدَّثت، غير مرَّة، عن "أسلحة غير فتَّاكة" تُسَلِّح بها "المعارَضَة السورية المعتدلة"، أو تسمح بتسليحها بها، من غير أنْ تُكلِّف نفسها عناء شرح وتوضيح كيف يمكن أنْ تُمكِّن هذه "الأسلحة غير الفتَّاكة" المعارَضَة السورية (المعتدلة) من الدفاع عن نفسها، وعن المدنيين في المدن والأماكن التي تسيطر عليها، في مواجهة "البراميل المتفجِّرة" التي تلقيها المروحيات السورية، في استمرار، على المدنيين في أحيائهم وبيوتهم، والقصف الجوي والصاروخي، وقوَّة النيران الهائلة التي يملكها الجيش السوري، وبعض أنواع الذخيرة الكيميائية؛ مع أنَّ بشار الأسد سلَّم، حتى الآن، ما يزيد على 90 في المئة من ترسانته الكيميائية.
وبدءاً من التاسع من حزيران (يونيو) 2014، حيث مني الجيش العراقي بهزيمة تشبه هزيمة حزيران (يونيو) 1967، شرع ذاك "السبب ــ الذريعة" يفقد كل محزونه من المنطق والواقعية؛ فهذا الجيش، الذي أنشأته ودربته وسلحته الولايات المتحدة، فَرَّ وهرب، تاركاً وراءه الأسلحة والمعدات والذخيرة التي زوَّدته بها الولايات المتحدة، ليَغْنَمها "داعش"، ويشرع يُرسِل بعضها إلى مناطق يسيطر عليها في شرق وشمال سورية؛ فليس "الجيش الحر"، وإنَّما جيش العراق، الذي كان يبدو موضع ثقة الولايات المتحدة، هو الذي من طريقه وصل "سلاحها الفتَّاك، والأكثر تطوُّراً" إلى أيدي الجماعة الأكثر تطرفاً، ومزاولةً للإرهاب، وهي "داعش"!
حتى آبار ومنشآت نفطية سورية وعراقية مهمة أصبحت في قبضة "داعش"، الذي لا يتميَّز بكفاءته القتالية، وتسليحه الجيِّد، فحسب، وإنَّما بثرائه، الذي بعضه من مَصْدَر نفطي.
وتوصُّلاً إلى "إغراء" الولايات المتحدة بتسليحها، قالت "القيادة المعتدلة" في المعارَضَة السورية، غير مرَّة، إنَّها تريد السلاح (الفتَّاك) لقتال "داعش" أيضاً، ودحره إلى خارج المناطق التي يسيطر عليها، في شرق وشمال سورية؛ وقد حرصت جماعات المعارَضَة المعتدلة المسلَّحة (وجبهة "النُّصْرة" أيضاً، وهي الفرع الرسمي لـ "القاعدة" في سورية) على أنْ تُثْبِت، بالفعل قَبْل القول، أنَّها في حرب مع "داعش"، تُضاف إلى حربها المستمرة مع جيش بشار، و"حزب الله" اللبناني، ومع جماعات عراقية تُقاتِل معهما؛ لكنَّ الولايات المتحدة ظلَّت مقاوِمَة لهذا "الإغراء". حتى في حربها الأخيرة مع "داعش" في مواقع ومناطق استراتيجية في شرق سورية لَمْ تَنَلْ المعارضة السورية المعتدلة مبتغاها، أيْ تسليح الولايات المتحدة لها؛ ولقد انتهت هذه الحرب، والحرب الموازية لها في مناطق غربية من العراق، إلى سيطرة "داعش" على معبر "القائم"، وإلى وَصْل مناطق "داعش" العراقية بمناطقها السورية، من ثمَّ، مع ما يمثِّله هذا من تغيير "جيو ــ استراتيجي" كبير. وينبغي لنا ألاَّ نتفاجأ بتغيير مماثِل يتمثَّل في "وَصْل" المناطق الكردية في سورية بإقليم كردستان في شمال العراق، والذي تسيطر حكومته الآن على كركوك، التي فيها يُنْتَج نصف النفط العراقي تقريباً؛ ولسوف نتفاجأ، هذه المرَّة، إذا ما قرَّر "حزب الله" اللبناني إرسال مقاتليه إلى سامراء (مثلاً) لحماية الأضرحة هناك!


