خبر : أَثَر عملية الخطف على الوضع الفلسطيني ...مهند عبد الحميد

الثلاثاء 24 يونيو 2014 10:16 ص / بتوقيت القدس +2GMT



" الحروب تحسم في الجبهة الداخلية"، والعنصر الاهم في الجبهة الداخلية هو منظومة القيم والمعايير الجامعة التي تعزز التماسك او تحدث شروخا وانقسامات. كان كل ما يهم الحكومة الاسرائيلية إرضاء اكثرية مجتمعها وبخاصة لوبي الاستيطان والاحزاب الدينية واليمين القومي. ولغاية ذلك، شنت هجوما سياسيا عنيفا بصيغة إملاءات مهينة، وترافق الهجوم السياسي مع حملة أمنية شرسة جاءت بصيغة استباحة وعقوبات جماعية شديدة الاستفزاز.
ورغم تجاوز حكومة نتنياهو كل الخطوط في كل الحقول، فقد اجاز لها النظام الدولي ردها العنيف وطأطأ الراس أمام اجتياحها للضفة الغربية طولا وعرضا، موفرا الغطاء السياسي لعمليتها ذات الاهداف المتعددة التي تتجاوز استعادة المخطوفين.
ما يهمنا هنا، الجبهة الداخلية الفلسطينية التي كان حالها لا يسر صديقا ولا يغيظ عدوا، علينا ان نعترف بالاختلالات واسبابها وبالمخاطر التي قد تنجم عن ذلك. ازمة ثقة عميقة بين جموع الشبان الذين يتصدون لقوات الاحتلال اثناء الاقتحامات وقوى الامن الفلسطينية وصولا الى السلطة ومؤسساتها ورموزها. أزمة متصاعدة تقترب من حالة صدام بل لقد بدأ مستوى ما من الاحتكاك والصدام. يقول احد المشيعين انه لم يشهد شرطة مهانة بهذا الشكل، وعندما سألته لماذا : قال ان بعضهم كانوا في موقع نشطاء وبعضهم لهم اشقاء واقارب بيننا وهم مستفزون ايضا من الاعتداءات الاسرائيلية، هؤلاء لا يستطيعون قمع المنتفضين الجدد، لذلك تجد وجوههم ممتقعة، تجدهم مهانين مرتين مرة من المتظاهرين الذين يهتفون ضدهم ومرة اخرى من المحتلين الذين لا يستطيعون التصدي لهم، لذلك قد يرتكب بعضهم ممن لديهم استعداد لقمع المحتجين حماقة إطلاق نار على الشبان، وقد يفعل القسم الاخر العكس بأن يتمرد ويطلق النار على المعتدين. وفي الحالين فإن الامور ستنفجر.
قدمت جنازة الشهيد محمد محمود الطريفي الذي استشهد على يد جنود اسرائيليين فجر يوم الاحد وسط مدينة رام الله ، مؤشرا على الاحتقان الشديد القابل للانفجار. الغضب والشحن والتحدي كان باديا للعيان وهو غير مسبوق، الهتاف يستحث الرد على العدوان والاستباحة الاسرائيلية، وعلى عمل اي شيء، استعاد الشبان شعارات "التفخيخ بالاحزمة" و"الانتقام". والمستوى الثاني من الهتاف موجه ضد السلطة وسياساتها اثناء عملية خطف المستوطنين وما بعدها. قال شاب مشارك في الجنازة: نحن نختنق، لا يوجد لنا مكان هنا، لا يوجد مستقبل، ولا نشعر بكرامة بل بمهانة ومذلة، نحن لا شيء، لا يوجد ما نخسره. كان يكفي أي استفزاز إضافي لاشعال الحريق. ولحسن الحظ قوات أمن السلطة لم ترد وبقيت تراقب الوضع دون تدخل. غير أن الاستفزاز جاء من المستوطنين الذين هالهم هدير المشيعين في سفح جبل الطويل الذي تقع في أعلاه المستعمرة المسماة "بسغوت ". فكان الرد بصعود عشرات الشبان الى الاعلى غير آبهين بالرصاص الذي انهمر فوق رؤوسهم. وعاد الاشتباك التقليدي السابق رصاص من جهة وحجارة من جهة أخرى.
لماذا يقاوم الشبان الاعتداءات الاسرائيلية في شروط من الاحباط والارتجال ورد الفعل؟ لماذا يحدث شرخ بين المستوى السياسي والجيل الجديد من الشبان. أولا : الموقف السياسي الذي أعلن في اعقاب عملية الاختطاف لم يأخذ بالاعتبار المزاج العام الذي استفز اشد الاستفزاز الاكثرية. لانه لم يربط الموقف الرسمي استنكار خطف فتيين من بين ثلاثة مختطفين إسرائيليين باستنكار اعتقال الفتيان الفلسطينيين الـ 190 طفلا وفتى.
ولم يقرن عودة المختطفين الاسرائيليين الى بيوتهم بعودة الاطفال المعتقلين الى بيوتهم وأسرهم كموقف مبدئي ثابت. لم يربط ما يجري بالمواقف العدمية الاسرائيلية التي تؤدي الى ردود فعل وبخاصة في الموقف من الاسرى. كان يهم الموقف الرسمي إرضاء الاطراف التي مارست الابتزاز والضغوط دون أن يلتفت الى عدم إغضاب الشعب المكتوي من إجراءات الاحتلال. وجاء الاعلان عن التنسيق الامني مع الاحتلال بحثا عن المختطفين في لحظة استباحة الاخير لكل شيء بما في ذلك قتل الطفل محمد دودين وشاب مخيم الجلزون وشابين في رام الله ونابلس. هذا الموقف كان شديد الاستفزاز وأدى الى ردود فعل ساخطة وعمق من أزمة الثقة. لم يتوقف المستوى السياسي امام الواقع الجديد واستحقاقات نهاية العملية السياسية المترافقة مع تقويض مقومات الدولة في حدود الرابع من حزيران 1967 ، والاعلان الاسرائيلي السافر عن تعميق الاحتلال وتهويد القدس وضم الاغوار ومناطق (ج )التي تبلغ مساحتها 60% من مساحة الضفة الغربية.
هذه الاستحقاقات التي تطرح الخروج من قواعد لعبة سياسية ادت الى نتائج عكسية. إن عدم الخروج أو التأخر في الخروج من قواعد العملية السياسية التي استنفدت بالباع والذراع باعتراف مختلف الاطراف بما في ذلك المفاوض الفلسطيني، يعني انفصال الجيل الشاب الجديد وأجيال الانتفاضتين السابقتين عن المستوى السياسي ومؤسساته. لم تعد القواعد السابقة التي بنيت على حل مفترض جرى تدميره قابلة للتطبيق والالتزام بغطاء شعبي.وطالما. .
الصدام بين الشبان والجنود هو محاولة للخروج ـ من تحت ـ على تلك القواعد الغابرة، الصدامات خلال احدى عشر يوما في المخيمات والقرى والمدن، تؤذن بإشعال الحريق، بطريقة عفوية وفي إطار سياسة رد الفعل بعيدا عن استراتيجيات وخطط وفي غياب المبادرات السياسية المدروسة التي تجعل القوى السياسية تلتحق بالعفوية ورد الفعل. قد تتعزز المواجهات غير المدروسة مع قوات الاحتلال والمستوطنين مع انتهاء امتحانات التوجيهي والجامعات يوم 30 حزيران الجاري . فهذا يعني انضمام الالاف للمواجهات غير المتكافئة مع اكثر الجيوش قوة وحداثة. وثمة حافز آخر لمشاركة الشبان هو دخول الجنود الى مراكز المدن وفي قلب المخيمات والقرى. وهذا شرط لم يتوفر في الانتفاضة الثانية إلا بعد إعادة احتلال المناطق المسماة ( أ ).
كان الشبان يذهبون الى أطراف المدن والمعسكرات كي يقاوموا المحتلين المحصنين بحجارتهم، منذ إحدى عشر يوما يأتي الجنود بأرجلهم الى مراكز المدن وداخل المخيمات. ثمة من يخشى انتفاضة جديدة، البعض يدعي بأن الاحتلال يستدعي ذلك النوع من الانتفاضة المرتجلة، قد يكون ذلك صحيحا، لكن عندما يكون الانفجار على الابواب فلا قيمة لاستعراض المخاوف، ويكون المطلوب تجاوز العفوية والارتجال وتجاوز اخطاء الماضي. ما هو ضروري هو الخروج من قواعد اللعبة القديمة التي انتهت صلاحيتها يعني ( expired) .
Mohanned_t@yahoo.com