خلال عشرة أيام، وبداعي البحث عن ثلاثة مستوطنين إسرائيليين، تقول إسرائيل إنهم مخطوفون من قبل فلسطينيين، قتل الجنود الإسرائيليون ستة شهداء، إضافة الى اثنتي عشرة إصابة حرجة، من بين نحو مئة وعشرين جريحا، أصيبوا خلال عمليات مداهمة البيوت، وإغلاق الطرق، وفرض الحصار على مدينة الخليل وغيرها من المدن في الضفة الغربية، في الوقت الذي قامت فيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتقال نحو خمسمائة مواطن فلسطيني، بدافع هذه الذريعة !
عادة ما يتبع عمليات خطف البشر، إعلان من الخاطفين، يحدد مطالبهم، إن كانت بدفع فدية، أو بتحقيق هدف سياسي ما، وفي مثل هذه الحالة، حيث سبق وان اختطفت مجموعات مسلحة فلسطينية، عام 2006 جنديا إسرائيليا، هو جلعاد شاليت، وأعلنت عن ذلك فورا، وحددت مطالبها بالإفراج عن المعتقلين والأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، فإنه هذه المرة، لم يعلن أحد مسؤوليته عن عملية الخطف، الأمر الذي يدخل كل "القصة" في دائرة التساؤل، إن كانت قد تمت بالفعل، أم لا، ثم العديد من الأسئلة، في حال تمت بالفعل، عن هوية الخاطفين، وإن كانوا، قد فعلوا ذلك، على خلفية جنائية، أم قومية / سياسية، حيث لا يحق لإسرائيل في كل الحالات والأحوال أن تدعي ما شاءت، ثم أن تتصرف وفق ما تدعي أو تعتقد، دون براهين أو أدلة.
فلو كانت عملية الخطف قد تمت، فمن يمكنه أن يقطع الشك باليقين، ويقول بأن الخاطفين فلسطينيون، وإن كانوا فلسطينيين، فهل هم مجموعة سياسية، أم مجرد جماعة، ربما تكون عصابية، أو حتى عائلية، لها أقارب معتقلون، أو أنها تسعى لتحقيق مكاسب أخرى؟!
الأهم أيضا من كل ذلك، ان السؤال الجوهري، الذي يستند الى ان "العلاقة " الفلسطينية / الإسرائيلية أصلا، هي علاقة محتل باحتلال، وان "المخطوفين" إنما هم مستوطنون، تم اختطافهم، حسب الرواية الإسرائيلية، على الأرض الفلسطينية، أي ان عملية الخطف، لو كانت صحيحة، ولو كان من قام بها فلسطينيون، فإنها لم تتعد كونها عملية مقاومة مشروعة لوجود احتلالي غير شرعي، وهذا الوجود الاحتلالي على الأرض الفلسطينية يتمثل بمظهرين رئيسيين هما : الحواجز العسكرية والمستوطنات، اي أنه يتمثل بالجنود والمستوطنين.
يجب هنا، التوضيح، بأنه لم يتم خطف مواطنين إسرائيليين، من داخل حدود "دولة إسرائيل" وراء الخط الأخضر، لذا، فليس من حق إسرائيل أولا وقبل كل شيء أن تظهر أية ردة فعل، خارج معادلة الاحتلال ومقاومته، ثم يكون بعد ذلك السؤال الجوهري والكبير، وهو رغم ان الحديث يدور عن خطف، وليس عن قتل، وفيما عملية الخطف "تلصق" بأفراد أو جماعة أو حتى فصيل، فإن ردة الفعل مرتبطة بدولة، لديها الأجهزة الأمنية والمؤسسات، ولديها حكومة مسؤولة، لكنها رغم ذلك، ترد على الخطف بالقتل والاعتقال، وإصابة المواطنين عبر إطلاق النار!
كان يمكن لإسرائيل أن تتصرف كأي دولة يتعرض "بعض مواطنيها" للخطف، وذلك بالقيام، بعملية البحث الأمني، دون أن يترافق ذلك، بشن حملة، أو عملية عسكرية، يكون من جرائها، سقوط الضحايا والمصابين، واعتقال المئات من البشر، الذين ليس لهم علاقة، ولا حتى "ظنية" او شبهة بعملية الخطف.
آن الأوان، لفضح الجوهر الفاشي والعنصري للسلوك الحكومي والرسمي الإسرائيلي، الذي لا يقيم وزنا للبشر من الفلسطينيين، فحتى لو افترضنا جدلا أنه تم "قتل" ثلاثة إسرائيليين، فهل يحق لإسرائيل، أو هل يجوز لها قتل ستة فلسطينيين، وإصابة مئة وعشرين واعتقال خمسمائة مقابلهم، حتى ولو في عملية ثأر، باتت اللاإنسانية تشعر بالاشمئزاز منها؟!
آن الأوان، لفضح كل من لا يساوي بين البشر، رغم ان الحديث هنا، ليس في صالح الإسرائيليين، الذين هم محتلون، فيما الفلسطينيون يقعون تحت الاحتلال، أي أنه يمكن فقط "الحديث" عن ضرورة تحقيق المساواة، على القاعدة الإنسانية، بين الفلسطينيين في فلسطين، والإسرائيليين في إسرائيل !
لكن، لأنه ليس بعد الكفر ذنب، وليس هناك ما هو أكثر انتهاكا لحقوق البشر، وللكرامة الإنسانية من الاحتلال، فان وجود الاحتلال الإسرائيلي، بحواجز الجنود ومستوطنات المستوطنين، هو أب الشرور كلها، وهو المسؤول الأول والأخير عن كل ما يحدث بين الفلسطينيين والإسرائيليين من عداء وكراهية ومواجهة، لن تنتهي ولن تتوقف ما دام الاحتلال قائما وموجودا، على الأرض الفلسطينية.
لا حل، إذا، إلا بأن يأخذ بنيامين نتنياهو مستوطنيه وجنوده ويرحل، عن الأرض الفلسطينية، ولن تكون أية قطرة دم جديدة إلا وقودا يزيد النار اشتعالا، حين تكون مشتعلة، أو أن يؤججها، حين تكون تحت الرماد، ولا يلوح في الأفق، مع إغلاق حكومة نتنياهو، نوافذ الانسحاب، إلا مواجهة، من الطبيعي أن تحرق بلهيبها الأصابع الإسرائيلية، المتسللة تحت الجلد وفي الأعصاب الفلسطينية.
Rajab22@hotmail.com


