خبر : حماس وإسرائيل ولغز اختطاف المستوطنين ...إبراهيم درويش

الإثنين 23 يونيو 2014 10:43 ص / بتوقيت القدس +2GMT



تواجه حركة حماس في الضفة الغربية موجة من القمع والإعتقالات الجماعية التي طالت مسؤولين ونوابا في المجلس التشريعي الفلسطيني ومحررين في صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2011 بعد خمسة أعوام في يد حماس، كل هذا بسبب اختفاء أو «اختطاف» ثلاثة طلاب في معهد ديني قرب مدينة بيت لحم في الإسبوع الماضي. والمتابع للصحافة الإسرائيلية يلاحظ الكيفية التي استخدمت فيها حكومة بنيامين نتنياهو الحدث لتصفية الحساب مع حماس وبالضرورة مع السلطة.

ووراء الحملة الإسرائيلية التي تطورت من عملية بحث عن الطلاب الثلاثة الذين اختفوا إلى عملية إسرائيلية شاملة تهدف لأفشال المصالحة الوطنية بين حركتي حماس وفتح والتي ولدت منها حكومة وحدة وطنية من الوزراء التكنوقراط، برئاسة رامي الحمدلله. وهي الحكومة التي أغضبت نتنياهو لدرجة قيامهة بحملة إعلامية واسعة لإقناع العالم أن حركة حماس «إرهابية» ويجب عدم التعامل معها.

وفي سياق الواقع الجديد الذي أفضت وتفضي إليه الأحداث فالحكومة الإسرائيلية تسعى إلى جانب قتل الوحدة الوطنية الفلسطينية التي استخدمت غيابها دائما لإفشال محادثات السلام نظرا لغياب الشريك الحقيقي، لتفكيك ما تبقى من بنية تحتية لحماس في الضفة، وهذا ما ورد في كتابات المحللين العسكريين الإسرائيليين أنه حتى في حال العثور على الجنود فالعملية ضد حماس ستستمر مع تهديد بالقيام بعمل عسكري في غزة الذي سيطرت عليه حماس منذ عام 2007. أما الأمر الآخر فهو الإنتقام من عملية شاليط ولاعتقال المحررين بموجب الصفقة، وحديث المسؤولين عن تشديد شروط الإعتقال للفلسطينيين محاولة للتأكيد أن لا صفقات مقايضة، خاصة ان حادث الإختفاء جاء في وقت يقوم به السجناء الفلسطينيون بالإضراب عن الطعام ويطالبون بتحسين ظروفهم.

تظل الظروف التي اختطف فيها الطلاب غير واضحة، وحدثت في الضفة الغربية التي تسيطر عليها إسرائيل عسكريا ولا معنى لحديث نتنياهو لعباس حول مسؤولية السلطة الوطنية عن الحادث كونه حصل في مناطق خاضعة للسيطرة الفلسطينية، ويعرف رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه أن جيشه يمكنه الدخول في أي ساعة من ليل أو نهار بيوت الفلسطينيين ويعتقل ابناءهم أو يقتلهم. ويعيش في الضفة الغربية التي تقع في قلب مشروع إسرائيل الإستيطاني مستوطنون بنت لهم شوارع وطرقا خاصة، وتحول الجيش لحام للمستوطنين حتى عندما يقومون بتخريب بساتين الزيتون الفلسطينية ويشوهون المساجد ويرشون سيارات الفلسطينيين بالحجارة. فالتطرف الإستيطاني وصل أوجه في السنوات الأخيرة وطال القوات الإسرائيلية.

أما عن بنية حماس وتفتيتها، فالحركة أو فرعها في الضفة تعيش ظروف قمع مستمرة منذ عام 2007 عندما قررت حركة حماس في غزة السيطرة على القطاع، وما لم تدمره إسرائيل في عملية السور الواقي، أكملته السلطة من ناحية مصادرة مؤسسات حماس ووضع اليد على جمعياتها الخيرية، والتضييق على عملها، واعتقال أفرادها والتحقيق معهم من قبل الأمن الوقائي، فمن لم يعتقل في السجون الإسرائيلية أصبح نزيلا لدى أجهرة الأمن الفلسطينية. وطورت السلطة خطابا دينيا واجه خطاب حماس وشدد على خطباء المساجد ورقابتهم، أما المدارس الدينية التابعة لها فنالت ما نالت مؤسساتها. وتعيش الحركة حالة من الخوف والترقب منذ سنوات. وفي ظل توقف العمليات العسكرية إما بسبب تصفية قيادات الجناح العسكري في الضفة الغربية أو للتشديدات والقيود التي وضعت أمام دخول الفلسطينيين إسرائيل، نقاط تفتيش، وسور عنصري وما إلى ذلك أو لأن الحركة تخلت عن خيار العمليات الإنتحارية التي خدمت مرحلة معينة، كما تحدث أحمد يوسف، المستشار السياسي لحكومة حماس لصحيفة «وول ستريت جورنال» قبل فترة عندما قال إنه قضى وقتا طويلا وهو يحاول إقناع حماس بالتخلي عن خيار الأحزمة الناسفة والقبول بهدنة تكتيكية مع إسرائيل متهما نتنياهو بمحاولة إشعال الأزمة وركوب موجة الغضب الإسرائيلي على اختفاء الطلاب وتصفية الحساب مع حماس.

في العقد الأخير من القرن الماضي نجحت حماس بفضل قدرات المهندس يحيى عياش وأعضاء الجناح العسكري في تنفيذ عمليات عسكرية داخل إسرائيل خاصة تلك التي شنتها انتقاما لمجزرة الحرم الإبراهيمي لكنها لم تنجح في عمليات الإختطاف، كما حدث في عام 1994 في محاولة اختطاف الجندي نحشون فاكسمان. وإذا كانت حماس تريد إستخدام الطلاب الثلاثة للمقايضة فتاريخ عمليات الإختطاف في الضفة الغربية يشير إلى ان كل العمليات انتهت إما بقتل المختطفين أو تحريرهم.

ومن هنا فالسؤال يظل عن الجهة التي نفذت عملية الإختطاف وحساباتها، هل فعلا خطط لها جناح حماس في الضفة قبل عملية توقيع اتفاقية المصالحة كما تزعم المصادر الإسرائيلية؟ أم أن جناحا متشددا في الحركة قام بها، مع أن عمليات من الضفة لم تنطلق منذ أكثر من ثماني سنوات، نقصد هنا عمليات كبيرة، فحركة لا تستطيع الإحتجاج في رام الله او غيرها بمظاهرة، وكل كادرها في السجن وبنيتها التحتية مفككة أو مصادرة فكيف ستكون في موقع للتخطيط «الدقيق» للعملية؟ قد تكون العملية «فرصة حظ لاحت» وقام بها فرد، وقد تكون من تخطيط مجموعة غاضبة، وقد تكون أكثر من هذا نظرية مؤامرة، ولكن العملية لن تكون في مصلحة الحركة التي تعاني من حصار على اكثر من مستوى، حصار عربي ـ مصر وإسرائيلي وحصار من السلطة قبل الإتفاقية، فلا يمكن للحركة أن تغامر في إفشال اتفاق ترى فيه مخرجا لأزمتها ويخدم طرفي المعادلة الفلسطينية المحاصرين بالضرورة.

وهذا يقودنا لفهم معضلة حماس كونها حركة مقاومة إسلامية ترتبط بالتيار الإسلامي المعتدل، ووجدت نفسها على مرمى النار بعد حرب مصر على الإرهاب ـ أي الإخوان المسلمين ـ وتعرضت لهجمات إعلامية وتهديدات من النخبة العسكرية الحاكمة «بالغزو» تماما كما تهدد طائرات إسرائيل القطاع. ولعل هذا نابع من المصائر التي يواجهها تيار الإسلام السياسي في الدول العربية، فبعد الآمال والطموحات التي قادت لوصول الإسلاميين للسلطة خاصة مصر حيث عزز انتصارها موقع حماس وجد الإسلاميون أنفسهم رهن الإعتقال والتشريد وعرضة للقتل، من مصر إلى ليبيا التي يحاول فيها جنرال آبق تكرار التجربة المصرية وإلى سوريا التي يتمترس فيها النظام الديكتاتوري، إضافة لعودة الدولة العميقة التي هزمها الربيع العربي، وتصاعد تيارات الجهادية العالمية.

فقد كان يؤمل أن يكون انتصار الإسلام السياسي المعتدل نهاية لحلم تنظيم القاعدة، ولكن الأخير والجماعات المرتبطة به هي الزاحفة الآن وتحضر لخلافة إسلامية ممتدة على سوريا والعراق. وصعودها تأكيد لرؤيتها ان المعركة تحسم في الخنادق لا في صناديق الإقتراع. ولا ريب أن حماس هي أول من دفع الثمن عندما دخلت العملية الإنتخابية عام 2006 وفازت بأغلبية ساحقة وكوفئت من المجتمع الدولي بالعزلة والرفض واضطرت للحفاظ على مكتسباتها لمعركة «الحسم» كما أسمتها ولكنها ازدادت عزلة واضطرت لحفر الأنفاق لإعالة مليون ونصف فلسطيني، وعاشت أزمة بعد أزمة، وشنت إسرائيل عليها حربين مدمرتين. وكان الأولى بحركات الإسلام السياسي التي انتعشت بعد الربيع العربي التعلم من تجربة حماس لكنها صعدت على نشوة الربيع العربي وحققت انتصارات أخافت قوى الفلول/ الدولة العميقة والجيش ودول الخليج الخائفة من مشروع الإسلام السياسي والدول الغربية وغيرها التي اصطفت معا لأجهاض مشروع الإسلاميين إضافة للقوى الجهادية التي استفادت من الفوضى وعادت براياتها، وليس غريبا أن تكون السلفية جهادية وغير جهادية من عوامل تحطم مشروع الإسلام السياسي في مصر وليبيا وبدرجة اقل تونس التي اتقن قيادات الحركة الإسلامية فيها فن التنازلات بدون التغييب. وتظل تونس هي النموذج الأكثر نجاحا في تجارب مشاركة الإسلاميين في السلطة. لم يحدث الإصطفاف ضد الإخوان في مصر وليبيا وسوريا لولا أخطاء ارتكبت في الطريق. ومن هنا يمكن فهم أزمة حماس التي واجهت نفس المصير فحاولت الإلتفاف عليه بالمصالحة، لكن إسرائيل التي ترى فيها عدوها ظلت تتربص لإجهاض المصالحة، وتحضر الآن لضربة عليها. واجهت حماس نفسها التيار السلفي المتشدد في القطاع عندما هاجمت قواتها مسجد أبن تيمية في مدينة رفح الذي نشطت فيه حركة «أنصار جند الله» في شهر آب/أغسطس 2009.

بالتأكيد هناك جهة ما استخدمت، أو حركت أو تصرفت تــــريد افشال المصالحة الوطنية وحكـــومة الوحدة، وتعطــــي إسرائيــــل الفرصة للأنقضاض، وقد تحركت سريعا لاتهام حماس بالوقـــوف وراء العملــــية، رغم أن الشرطة الإسرائيلــــية تلقـــــت مكالمة من أحد الطلاب وناشدها المساعدة لكنها لم تتحرك.

وفي حملة الإعتقالات والتهديدات رعونة المتغطرس، وسطوة من يرى أن له الحق في اتهام من يريد.

هل كانت إسرائيل تنتظر فرصة التخريب أم أنها جاءتها من السماء، الأيام كفيلة بحل اللغز، ولكن حماس مثل تيارات الإسلام السياسي هي في مرمى الهدف.