خبر : الفلسطينيون اقترحوا على هتلر الهولوكوست! ...بقلم: د. خالد الحروب

الإثنين 23 يونيو 2014 09:12 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الفلسطينيون اقترحوا على هتلر الهولوكوست! ...بقلم: د. خالد الحروب



لا تفتأ الدعاية الصهيونية إلا وتعيد نبش الملف العزيز عليها وهو الزعم بـ "تحالف الحاج أمين الحسيني مع هتلر"، وفي كل مرة يُفتح فيها هذا الملف تتم إضافة أكذوبة جديدة أو مبالغات نوعية الى ان تضخم الملف كله. مؤخراً ووصولا الى احدى محطات التضخيم المتواصل تدهشنا تلك الدعاية الوقحة بتصوير أمين الحسيني على انه صاحب فكرة إبادة اليهود وهو من اقترحها على هتلر.
هتلر الذي لم يكن يسمع من احد سوى عقله المريض، والعنصري تجاه العرب والمسلمين كما كان عنصريا ضد اليهود، يصبح طفلا طيّعا بين يدي المفتي الحسيني ويستمع لاقتراحاته واستراتيجياته.
المفتي الذي اقرب الى السذاجة عندما تعلق الامر بالصراعات الدولية في تلك الحقبة يصبح المنظر الكبير الذي يصغي إليه هتلر وينفذ توصياته بحرفيتها، وهتلر الذي استبطن فكرة الابادة منذ شبابه وخطط لها سنوات طويلة قبل لقائه اليتيم بالحسيني وقع فجأة تحت سحر تأثير المفتي ونفذ ما اشار به عليه.
اذا كان تأثير الحسيني على هتلر نافذا وكبيرا الى الدرجة التي تروجها الدعاية الصهيونية، فمعنى ذلك انه كان في مقدور الحسيني تغيير مسار التاريخ الاوروبي كله لو انه مثلا اشار، او لنقل اصدر الاوامر، الى هتلر بعدم غزو غرب اوروبا وصولا الى فرنسا، او بالاحرى لماذا لم يأمر المفتي هتلر او يقنعه بإعلان الحرب فورا ومنذ البداية على بريطانيا مباشرة عوض التورط في حروب مع بلدان اخرى استنزفته، لاسيما وبريطانيا هي التي تحتل بلاد المفتي وتسهل على الحركة الصهيونية مخططها في فلسطين؟
الحقيقة التاريخية هنا والمتعلقة بزيارة المفتي الى المانيا لا تستحق سوى هامش سريع على متن الصراع العربي الصهيوني.
هتلر الذي كان يضع العرب والمسلمين والافارقة والغجر واليهود وكثيراً من غير العنصر الآري في نفس المرتبة الدنيا من الاجناس المنحطة لن يستمع لواحد من هؤلاء "المتخلفين" وينفذ "استشاراته".
كان هتلر يريد توسيع دائرة العداوة ضد دول الحلفاء، وهو ما كان يريده ايضا المفتي الحسيني الذي كان يبحث عن انصار للقضية الفلسطينية ضد الغطرسة البريطانية.
لكن من ناحية عملية لم يرتق لقاء المفتي بهتلر ولا مساعديه إلى مستوى لقاء المصالح بالمعنى الحقيقي، ذلك انه لم يكن لدى المفتي ما يقدمه لدولة كبرى بحجم المانيا تلتهم اوروبا تباعاً وتنوي السيطرة على العالم بأسره. فرضية "تطبيق هتلر لاستشارات المفتي" سواء في مسألة الابادة او غيرها فيها قدر مضحك من السذاجة وافتراض الغباء بل والاستهبال ايضا.
فحتى لو فرضنا ان المفتي ايد ابادة اليهود ودعا هتلر اليها فإن هذا لا يؤثر في الرواية التاريخية شيئاً، لأن آراء المفتي و"استشاراته" المفترضة ما كانت لتترك ادنى اثر عند هتلر لو لم يكن قد عزم النية منذ سنوات وأسس لمشروع الابادة الوحشية تلك.
لكن السؤال الاهم: لماذا هذا التركيز الهائل على هذه التفصيلة الهامشية في صراع الصهيونية ضد الفلسطينيين والعرب، وكيف نفهم خلفياته واين نموضعه؟
تقع مسألة التحالف المزعوم بين الحسيني وهتلر في سياق تخليق آليات التنميط السلبي عن العرب والفلسطينيين خلال مواجهتهم المشروع الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل، لما يقدمه ذلك التنميط من توفير للاحتضان الدولي والغربي خصوصا لإسرائيل، والمتواصل حتى هذه اللحظة.
يعود ذلك التنميط إلى حقبة ما قبل قيام إسرائيل وتأسس جزء كبير منه في العصر الحديث انطلاقاً من كتابات الرحالة الغربيين، بخاصة الأميركيين، إلى الأراضي المقدسة ووصفهم أهلها والسكان فيها بكونهم، وفق الرحالة العنصري مارك توين، "قذرين بالطبيعة، أو بالفطرة، أو بالتعلم"! لم يستحق أولئك السكان في حقب لاحقة، تحت حكم الاستعمار البريطاني، أن يعاملوا بالطريقة نفسها و"المدنية" التي عومل بها اليهود "المتحضرون" المهاجرون المقبلون من أوروبا "المتحضرة".
فمثلاً، لم تحتوِ مناهج التعليم البريطانية في المدارس الفلسطينية آنذاك والمُسيرة من جانب الإدارة البريطانية على مساق تعليم الموسيقى وهو المساق الذي تضمنه المنهج المُطبق نفسه في المستعمرات اليهودية.
ليس هناك من تفسير لهذا سوى اعتقاد المسؤولين البريطانيين أن الفلسطينيين أدنى مستوى من اليهود، وأنهم غير جديرين بتعلم الموسيقى وهي التي ترتبط ذهنياً وتصورياً بالرقي والمدنية.
ورث المشروع الصهيوني وخطاباته العنصرية والاحتقارية ضد عرب فلسطين التنميط الذي كان قد أسسه البريطانيون ورسخوه، وأضافوا إليه أبعاداً جديدة.
فاليهود الهاربون من عنصرية أوروبا والمعبأون بمشاعر الاضطهاد الجمعي والضحية وجدوا في الفلسطينيين عدواً سهلاً، أقرب إلى الفريسة، لتفريغ نزعات الانتقام فيه، ولإثبات الذات والثورة على سمة الضعف والاستضعاف التاريخي التي لاحقت اليهود في التاريخ والعالم وفق السردية المركزية للخطاب الصهيوني.
بعد جريمة "الهولوكوست"، ثم قيام إسرائيل أصبح الفلسطينيون هم المحطة الأولى والأقرب لتطبيق شعار "لن يحدث مرة ثانية"، في إشارة مباشرة إلى "الهولوكوست"، لكن في تضمين مرمز وعميق يحيل إلى التصميم المطلق والمطبق على الانتفاض على حقبة الاستضعاف.
وضمن سياق هذا الشعور الانتفاضي والذي تهيأت له ظافرية نادرة بسبب قيام الدولة، فإن مقاومة الفلسطينيين مشروع اغتصاب أرضهم وتهجيرهم منها، تم اعتبارها وعلى الفور كأول اختبار لزمن جديد، زمن القطع مع حقب الاستضعاف.
واحتل الفلسطينيون فجأة وعلى غير رغبة منهم موقع الطرف الذي يريد اليهود الذين تجمعوا وصارت لهم دولة أن يفرغوا ثأرهم التاريخي فيه، انتقاماً من الماضي، وإثباتاً لذات جديدة.
ومن دون أن يكون لهم أي ذنب في تطور التاريخ المأسوي لليهود، وجد الفلسطينيون أنفسهم يدفعون فاتورة كل الاضطهادات التي تعرض لها اليهود في تواريخهم، خصوصاً في أوروبا.
هكذا، أضيف تنميط تدميري جديد للفلسطينيين بكونهم خلاصة تجمع العداوات التاريخية لليهود بدليل أنهم لا يقبلون باليهود ولا بدولتهم ويطلقون مقاومة ضدهم.
وهذا بالطبع يخرج الفلسطينيين من مربع النضال القومي والوطني ضد محتل أجنبي، إلى مربع آخر يسهل تسويغ ابادتهم فيه وهو مربع العداوة المتأصلة واللاسامية لليهود.
وقد تمت مأسسة أخرى لهذا التنميط وربطه بالعدو الأكثر إرهاباً في التاريخ اليهودي الحديث وهو النازية، من خلال التركيز المضخم على الزيارة الساذجة للحاج أمين الحسيني إلى ألمانيا ولقائه بهتلر إبان الحرب العالمية الثانية، نكاية في بريطانيا وأملاً بدعم ألمانيا.
فقد اصبحت تلك الزيارة تمثل العمود الفقري للتاريخ الفلسطيني والدليل الدامغ ليس فقط على "لا سامية" الفلسطينيين والعرب، بل على امتداد مشروع إبادة اليهود من ألمانيا إلى فلسطين وتكامل الاثنين.
والمثير حقاً أن الدعاية الصهيونية لم تضخم فحسب تلك الزيارة إلى مستوى تكريس "علاقة استراتيجية" بين الوطنية الفلسطينية والنازية، بل "اكتشفت" أن فكرة إبادة اليهود إنما هي أصلاً فلسطينية، وقد تمكن أمين الحسيني من إقناع هتلر بتنفيذها! والغرابة هنا تكمن في مدى وقاحة هذه الدعاية التي تضرب بعرض الحائط كل ما له علاقة بالتاريخ ورغبة هتلر وتشجيعه اليهود على الهجرة إلى فلسطين والتخلص منهم.
Email: Khaled.hroub@yahoo.com