ما يقرب من أسبوعين على عملية "اختفاء"، المستوطنين الجنود الثلاثة، قلبت الطاولة على حسابات الكثير من الأطراف، الفاعلة في المشهد الفلسطيني الإسرائيلي، على نحو أقرب إلى عمليات تكييف قسرية، لتأهيل هذه الأطراف للتعاطي بجدية ومسؤولية أكبر مع الجهد الأميركي والدولي، الذي توقف لبعض الوقت، لكنه لم يسلم بفشل التسوية.
اختلف الفلسطينيون حول "العملية"، بين من يعتبرها عملية بطولية، وإنجازاً نوعياً كبيراً للمقاومة ونهجها في التعامل مع الاحتلال، وفي السعي نحو الإفراج عن مئات أسرى المؤبدات، وبين من يعتبرها عملاً، يستهدف تدمير الشعب الفلسطيني ومقاومته.
واختلف سلوك القوى الفلسطينية إزاء الحدث بين من يرى أن المصالحة ستكون واحدة من ضحاياه فيما لو اتضح أن حركة حماس هي المسؤولة عن خطف المستوطنين الجنود، ويواصل التعاون الأمني مع الاحتلال للإفراج عن المختطفين، ومحاسبة الخاطفين، وبين من يرفض ويدين هذا السلوك ويعلن عن تمسكه بحكومة الوفاق الوطني.
أمر غريب ويدعو للأسى أن يختلف الفلسطينيون، وتتعمق التناقضات والصراعات فيما بينهم، ويتوحد الإسرائيليون خلف حكومتهم المتطرفة، التي تقابل اختطاف ثلاثة مستوطنين باختطاف الضفة الغربية، واختطاف الحقوق الوطنية الفلسطينية.
مرة أخرى، يؤكد سياق الأحداث الاختلال في الوعي الوطني الفلسطيني الجمعي حين يصبح التناقض الثانوي، في صفوف الشعب المحتلة أرضه، تناقضاً ثانوياً بينما يعبر التناقض الرئيسي عن ذاته بأبشع الصور.
في الظاهر تتحدث الأوساط السياسية والأمنية والعسكرية الإسرائيلية عن أن حملة اختطاف الضفة الغربية، والتنكيل بمواطنيها، ستستمر حتى بعد أن تتم عملية الإفراج عن المختطفين، في اطار ما تسميه "عملية تنظيف الاسطبلات" وتدفيع حركة حماس في الضفة الغربية ثمناً باهظاً كما يقول وزير الدفاع موشي يعلون.
من الواضح أن إسرائيل، ستواصل ضرب مفاصل حركة حماس، وملاحقة عناصرها وتصعيد الضغط، بما في ذلك على أسراها في السجون، وربما تلجأ إلى التمييز في المعاملة بين أسرى حماس وأسرى القوى الأخرى، لتعميق التناقضات الداخلية والانقسام حتى في صفوف الأسرى.
أكثر من خمسمائة قيادي وكادر، ومعظم نواب حركة حماس، أصبحوا في السجون، ما يعني أن أية عملية تبادل في حال نجحت عملية الاختطاف، ستكون غير مجدية، وفي غير صالح الفلسطينيين، الذين سيدفعون أثماناً باهظة في اطار عملية محكومة لسياسة الباب الدوار.
لا تتوقف الحملات الإسرائيلية على اعتقال قيادات وكوادر، لم تسقط يوماً احتمالات الاستهداف سواء بالخطف أو الاغتيال كما يقول عضو المكتب السياسي لحماس محمد نزال، وإنما أقدمت إسرائيل على إعادة اعتقال الكثير من الأسرى المحررين ضمن صفقات تبادل سابقة.
إذا كان الأمر على هذا النحو، بمعنى أن إسرائيل قد تضطر للإفراج عن أعداد من الأسرى، لكنها تعاود ملاحقتهم بالقتل، أو النفي، أو الاعتقال، فضلاً عن اعتقال مئات آخرين، فإن نهج خطف جنود من أجل مبادلتهم بأسرى، يصبح غير ذي جدوى، ويلحق أضراراً بالشعب الفلسطيني، وقوى المقاومة.
تحاول إسرائيل استغلال العملية لتحقيق أهداف عديدة، وليس فقط إضعاف حركة حماس في الضفة الغربية، وضرب البنية التحتية للعمل المقاوم في الضفة ، وإنما أيضاً، تحريض المجتمع الدولي على السلطة الوطنية وعلى حكومة الوفاق فمن استجاب فإنه يقف إلى جانب محاربة الإرهاب، ومن لم يفعل كان مشجعاً للإرهاب الذي تدعي الحكومة الإسرائيلية أنها تحاربه.
عند هذه النقطة تحديداً، ربما نجد تفسيراً للتصريحات الغريبة وغير المقبولة التي تصدر عن السلطة، وتمجد التعاون الأمني، وعملياً تصمت عما تقوم به إسرائيل، فالهدف هو إبقاء حالة المجتمع الدولي الإيجابية إزاء حكومة الوفاق، وعملية المصالحة، وإزاء مسؤولية إسرائيل عن إفشال الجهود الأميركية.
كان مهماً إلى حد كبير، أن تعلن الإدارة الأميركية براءة حكومة الوفاق الوطني من التورط في عملية اختطاف المستوطنين الثلاثة، رغم أنها أي الإدارة الأميركية تحمّل حركة حماس المسؤولية.
لم يكن هذا ما تريده أو تسعى إليه إسرائيل، التي تستهدف عملية المصالحة برمتها وتستهدف رأس السياسة الفلسطينية، ولذلك كان أول التصريحات التي صدرت بعد عملية الاختطاف، تحمّل الرئيس محمود عباس والسلطة المسؤولية.
المجتمع الدولي بما في ذلك حلفاء إسرائيل، يبدي تفهماً للحرب التي تشنها على حركة حماس، ولكنه يرفض ادعاءاتها تجاه السلطة، وكأنه يرفض القبول بهدف إسرائيل، لعزل السلطة، ولذلك كان الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة رون بروزر، يصرخ شاكياً سلبية المجتمع الدولي إزاء خطف ثلاثة مستوطنين.
قد تستمر عملية "تنظيف الاسطبلات" طويلاً، سواء تم العثور على المختطفين أم تواصلت عملية اختفائهم، وربما تحتاج إسرائيل إلى توسيع سجونها، التي ستكتظ بآلاف المعتقلين، طالما أن الهدف يتصل بحركة كبيرة بوزن حركة حماس، وبالبنية التحتية للمقاومة في الضفة، لكن الكل سيخرج من هذه العملية مجروحاً.
حركة حماس والمقاومة في الضفة تدفع ثمناً باهظاً، ولكن إسرائيل هي الأخرى ستدفع ثمناً باهظاً حيث تبدو الحكومة عاجزة، هي وأجهزتها الأمنية، وربما تنفجر التناقضات داخل الائتلاف الحكومي، وهي لن تخرج من عزلتها، وأزماتها، وستبدو ضعيفة أمام جمهورها وأمام المجتمع الدولي.
السلطة هي الأخرى ستدفع ثمناً، فما يجري من استباحة الضفة الغربية، وما هو متوقع من أزمات ومشكلات في طريق المصالحة، لا شك أنه يؤثر سلبياً على شعبيتها، وعلى هيبتها، وقدرتها على العمل، وإقناع المجتمع الفلسطيني بجدوى وجودها.
هذا يعني أن واشنطن لا تزال هي التي تتحكم في خيوط اللعبة السياسية، وهو أمر يحتاج إلى معالجة أخرى.


