في الظاهر، تبدو الساحة الإسرائيلية موحدة خلف جهود الجيش الإسرائيلي وعموم المؤسسة الأمنية وأجهزتها الاستخبارية والشرطية، لاستعادة المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة المفقودين منذ أكثر من اسبوع، إلاّ أن فشل كل هذه المؤسسات "المرموقة" حتى الآن في ليس فقط في استعادتهم، ولكن في التوصل إلى إشارات ولو محدودة حول مصيرهم، أدى إلى انكشاف الساحة الداخلية الإسرائيلية، على عكس توحد هذه الساحة إثر أسر الجندي الإسرائيلي شاليت قبل بضع سنوات، تصدع هذه الساحة أشعلها من خلال تزايد حدة الجدل وتبادل الاتهامات والتقرير المصور الذي بثته القناة الإسرائيلية الثانية تحت عنوان "بلاد المستوطنين ودولة تل أبيب" يعكس هذا الصدام بشكل جلي، ولعلّ عنوان هذا التقرير يكفي بحد ذاته للتعبير عن حالة الاحتقان بين الجمهور الإسرائيلي من ناحية، والمستوطنين من ناحية ثانية، في إشارة هي ربما الأكثر وضوحاً، لتحميل المستوطنين مسؤولية تردي الوضع الأمني، بعدما كانت الإشارات ضد المستوطنين تكتفي في معظم الأحيان بتحميلهم مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي، باعتبار أن المستوطنين ومستوطناتهم إنما تقام على حساب دافعي الضرائب من عموم الجمهور الإسرائيلي.
ويعتبر الجمهور الإسرائيلي هذا، أن المستوطنين ينالون دلالاً وامتيازات لا حصر لها، خاصة وان المؤسسة الأمنية سبق وأن حذرتهم من الركوب في سيارات الغرباء، إلاّ أنهم مع ذلك، لا يلتزمون بهذا التحذير ويستقلون سيارات "مشبوهة" على الطرق السريعة في الضفة الغربية، بذريعة أن كل دولة إسرائيل تقف من خلفهم.
المدافعون عن المستوطنين، اتهموا خصومهم بأنهم استغلوا فقدان سبيل المستوطنين الثلاثة، لتصفية الحساب مع المسألة الاستيطانية برمتها، وانتظروا اللحظة للتعبير عن صدق عدم تعاطفهم مع الاستيطان والمستوطنين.
وفي لحظة نادرة، تنكشف الساحة الداخلية الإسرائيلية عن حقيقة مشاعر الإسرائيليين ضد الاستيطان والمستوطنين، عكس ما كان مفهوماً من أن الجمهور الإسرائيلي يدعم سياسة نتنياهو الاستيطانية، وقد يكون صحيحا ان الرأي العام الاسرائيلي قد يقف وراء سياسة نتنياهو هذه، طالما أن ردود الفعل على العملية الاستيطانية، فلسطينياً ودولياً، لا تكلف إسرائيل الكثير، إلاّ أن انعطافة ما، مثل تلك المتعلقة باختفاء المستوطنين الثلاثة، كافية للكشف عن مكنون الموقف الجماهيري الإسرائيلي من الاستيطان، أي عندما يبدأ هذا الجمهور يشعر بالخسارة، فإنه يعيد تدقيق حساباته وفقاً لمصالحه.
وإذ يعبر الجمهور الإسرائيلي عن رأيه الناقد للعملية الاستيطانية، فإن أصحاب الرأي وكتاب الأعمدة والمقالات في الصحافة الإسرائيلية، ورغم مشاعر القلق على مصير "المختطفين" الثلاثة، إلاّ أنهم وفي أحيان كثيرة وبمقدار متفاوت، عبروا عن انتقادهم لسياسة نتنياهو، ولكن ليس في الجانب الاستيطاني، بل في الجانب السياسي والأداء الأمني بدرجة أوضح. يقول بعض هؤلاء إن قيام نتنياهو بالخضوع لإملاءات حركة حماس، وتحرير عدد هائل من الأسرى الفلسطينيين مقابل الجندي الأسير شاليت، شجع حركة حماس وحركات فلسطينية عديدة على توجيه جل جهودها من أجل أسر وخطف جنود ومستوطنين، يقول شمعون شيفر في "أحرونوت" إن نتنياهو بهذه السياسة إنما حدد لهذه الحركات والفصائل "طريق النجاح"! إلاّ أن الكاتب يستمر في انتقاد نتنياهو متهماً سياسته بأنها ادت إلى انهيار مفهوم الأمن من خلال إقدام رئيس الحكومة على التفاوض مع حركة حماس بطريق غير مباشر بالتوازي مع سعيه المحموم لإضعاف أبو مازن والسلطة الوطنية الفلسطينية!!
إن انهيار مفهوم الأمن، هو الذي يعبر عنه حالياً بأن كل الجيش الإسرائيلي، وكل مشتقات المؤسسة الأمنية، تلهث وراء خلية واحدة، افتراضية في الغالب، إسرائيل تستدعي الاحتياط وتسحب قطاعات الجيش من المناطق الساخنة، سعياً وراء خلية واحدة لا أكثر هي التي "ربما" تكون خلف خطف الثلاثة.
وحتى لو لم يعبر الجمهور الإسرائيلي عن رأيه بصراحة ووضوح حول مسألة المستوطنين الثلاثة، وبصرف النظر عن الكيفية التي ستنتهي إليها هذه المسألة، فإن أصحاب الرأي القائل بضرورة الانفصال التام عن الفلسطينيين ـ نحن هنا وهم هناك ـ سيكونون أكثر تمسكاً برأيهم هذا مع تزايد المؤيدين لها والداعمين للانفصال، ولعل هذا الرأي يجد ترجمته بتراجع القوى التي كانت ولا تزال تؤيد "الضم" لأن لا أحد بإمكانه السيطرة على تداعيات مثل هذا الضم، حتى لو أحكمت إسرائيل قبضتها على كل الضفة الغربية.
ما قبل هذه المسألة ـ المستوطنون الثلاثة ـ وما بعدها، أمر مختلف تماماً في كيفية معالجة المسألة الاستيطانية، ولعل مسألة ترسيم الحدود، وهو أمر ينادي به الجانب الفلسطيني، ستحظى بتأييد أوسع من قبل الجمهور الإسرائيلي، ولعل في ذلك أهم تداعيات وتطورات هذه العملية المحتملة والسؤال هنا كيف يستثمر الجانب الفلسطيني مثل هذا التحول!!
hanihabib272@hotmail.com


