في المحاكمة الأكثر شهرةً في التاريخ التي عقدت لمحاكمة السيد المسيح في ليلة العشاء الأخير، وفي جوابه المدهش واللافت على سؤال الحاكم الروماني ان كان يدعي حقاً أنه المسيح أو نبي الله؟ رد المسيح قائلاً "أنت من يقول ذلك". هذا جواب صاغه أحد أنبياء الله والذي لا يحتمل الإنكار او النفي، كما لا ينطوي على التأكيد او الإثبات في صياغة بارعة ودقيقة ولكنها تتقصد الغموض. وهذا الغموض والالتباس سيجد له تناصاً فيما بعد في التقية الإسلامية كما اليهودية على حد سواء. وحيث سيلجأ اليه اليهود المتأخرون فيما يشبه هذه السخرية او المزاح القاسي من أعدائهم الفلسطينيين الأغيار والعالم، بعد كل عملية اغتيال يقومون بها حول العالم بالاكتفاء بترك بصمتهم او التوقيع عليها دون الإعلان عن مسؤوليتهم المباشرة عنها، وترك الآخرين يقولون "انتم تقولون" وهو ما ينطبق على قصة البرنامج النووي.
اليوم اذا كانت القصة صحيحة اي حادثة الخطف وان "حماس" هي التي قامت بالفعل بهذه العملية الأكبر فعلا والأخطر في دلالتها منذ عملية السور الواقي، فانها لا تفعل سوى تكرار ما كان يردده الإسرائيلي نفسه المتذاكي والساخر، في مثل هذه المناسبات قارنا هذه "اللا أدرية" بالابتسامات. وردد المتحدثون باسم "حماس" نفس الأقوال تقريباً :انهم هم من يقولون وليس نحن من يقول.
وإذا صح ان هذا حقيقي وانهم هم الفاعلون كما تقول الرواية الإسرائيلية فإننا بإزاء هذا النوع من التحول، الذي يحدث على مرأى منا في تبادل الأدوار، وحيث في لحظة تاريخية من تمدد عمر الصراع تتبدى الحقيقة غير المرئية، ولكن المختزنة في مكان ما عميق من ان كلا من الأعداء المنخرطين في صراع طويل دام وغير دام، عنيف وسلمي، انما يتعلم كلاهما من الآخر ولا سيما الطرف الأضعف الذي يختزن في داخله إعجابا غير مصرح به بطرق وأساليب العدو، في محاولة اكتساب صفات قوته من أجل التغلب عليه. إن الرأسمالية والاستعمار كما لاحظ ماركس ورفيقه إنجلز في بيانهما الشيوعي، إنما يخلقان على محور الزمن حفاري قبرهما من الشعوب المستعبدة والمضطهدة.
هل هذا التأويل يمكن ان ينطبق على خطاب غير شعبوي بالتأكيد، ألقاه الرئيس أبو مازن في جدة وابدى فيه علنا إدانته لعملية الخطف وتعاطفه مع الشبان المخطوفين، بوصفهم بشراً حتى أثار الرجل عليه انتقادات واسعة في صفوف الفصائل الفلسطينية. ولكن تُراه ماذا كان عليه ان يقوله من كان في مقامه، اذا كان من الحكمة والشطارة فعلا ان تبقي "حماس" الماء في أفواه المتحدثين باسمها، اما هو الذي حساباته اكبر فلم لا يتحدث على الطريقة الإسرائيلية فعلا؟ لينزع من الإسرائيلي بضاعته. لم لا يكون هو رجل الدولة الحضاري الإنساني الحريص على المقاومة المدنية والسلمية كما الدبلوماسية الناعمة؟ ولكن بعد ذلك بعد ارتداء هذا الثوب التنكري كما في الحفلات التنكرية، وتقديم الضريبة ليس للعدو وإنما للمجتمع الدولي، وحيث السياسة الدولية ليست في المنظار الأخير سوى عرض متواصل بلا كلل لهذا الطقس الجماعي، من ارتداء الثياب التنكرية تأتي محاولة جني الثمن.
لا يؤمن الرئيس محمود عباس بالطرق الالتفافية او المقاومة العنفية، "العنف الثوري" بالمصطلح الماركسي، وإنما بالاستقامة السياسية. ولكن الى متى يستطيع الرجل ان يلقي باللآلئ أمام الكلاب؟ اذ حتى السيد المسيح قال: لا تلقوا بهذه اللآلئ أمام الكلاب، لئلا تدوسها هذه الأخيرة بأقدامها. واذ يجوز لنا ان نتصور افتراضاً ان هذه الكلمات الجوهرية ربما قيلت عبر المكالمات الهاتفية ومن وراء الأبواب المغلقة، بالسؤال من جانب الرئيس عما كان هؤلاء الأولاد يفعلون في أراضي الدولة الفلسطينية المعترف بها عالميا؟ فإن الموقف الوحيد الذي من شأنه الآن وقف إسرائيل عن مواصلة هذه الحملة الوحشية من التنكيل بالشعب الفلسطيني، ويردع نتنياهو عن مواصلة هذه الطريق والدوس على كلمات ابو مان تحت أقدامه، هو بالذهاب وبعد هذا الكلام الى "الجنائية الدولية" لمحاسبته هذه المرة على استهتاره وإهانة الشعب الفلسطيني، ومواصلة التمسك بالوحدة الوطنية.
ان بنيامين نتنياهو العام 1996 هو الذي أعطى عرفات الفرصة المواتية للانتصار عليه في "انتفاضة النفق"، حينما قال له: أنا لا آتي للشرب من ماء البئر الا بلي الذراع. وهكذا وقع صاغرا في واي ريفر على تسليم الخليل، واليوم اذا كانت "حماس" هي التي فعلتها كما فعل عرفات حرب النفق، فأنه هو الذي قال لـ "حماس" بعد ان تنكر للاتفاق مع ابو مازن : انا لا اخضع الا بهذه الطريقة. لكن السؤال اليوم هل يحاول بأثر رجعي الانتقام من عرفات في الخليل وليس من حماس؟.
والواقع ان الأمر كذلك. وربما هذا ما اغضب أبو مازن بشدة اكثر، وعلى نحو يتجاوز في دلالته حدود العملية اذا كان ما يفعله نتنياهو بتجاوز حدود البحث عن المخطوفين، ولا يمكن ان يقبض احد ولا حتى نتنياهو نفسه، انه يستطيع بهذه الأعمال البدائية في وحشيتها استئصال "حماس" من الخليل او الضفة، وإنما على العكس تقوية "حماس" بالمعنى السياسي والشعبوي في أوساط الفلسطينيين.
لقد تعلم الفلسطينيون على مدى العقود الماضية الشيء الكثير من أعدائهم الإسرائيليين، في تطوير أساليب الزراعة كما في الصناعة والبناء وحتى في الإدارة، وعلى مستوى هذا التذاكي الذي كان حكرا على الإسرائيلي في ممارسة هذا النوع المخاتل من فن الخطاب. لكن إسرائيل التي فاخرت يوما بانها تقرأ وتتعلم لم تعد نخبها السياسية قادرة على التعلم او قابلة لهذا التعلم. ولقد برعوا في الصناعات العسكرية وتدريب الجيوش الأخرى نفس الحماقات عن تكتيكات حروب المدن في أزقة الضفة وجنين وغزة. ولكن في آخر النهار ماذا يفيد كل ذلك إذا كانوا في منتدى هرتسيليا لا يطرحون السؤال الصحيح عن جدوى التقنية في مواجهة المعادلات التاريخية والطبيعية، التي تطرحها السنن والقوانين الواقعية، أو إذا كانت المسألة: هل نعمل الأشياء بصورة صحيحة وهذا يشمل صنوف العقاب الجماعي، وان تبدأ بالقتل أولا من الصدر ثم إلى الرأس الى آخر هذه الأشياء التي يعلمونهم إياها في كليات الأمن. أم أن المسألة إن كانوا يعملون الشيء الصحيح؟.
لم يتعلموا شيئا ولا يتعلمون اي شيء آخر سوى مواصلة عمل الشيء غير الصحيح، استبدال الحلول السياسية بالإجراءات التقنية والعسكرية، وممارسة هذه الصنوف اللانهائية وغير المحدودة في كل مرة من العقوبات الجماعية ضد أعدائهم، والخليل اليوم نموذج بعد غزة.
وكما يتحول الأطفال المعنفون حين يكبرون فيما بعد الى أشخاص عنيفين وعدوانيين، فإن إسرائيل تطبق اليوم ومنذ ستين عاما نفس الأساليب القاسية من العقوبات الجماعية، التي تعرض لها اليهود نفسهم تحت حكم النازي الألماني، العزل والحصار والاعتقالات الجماعية وهدم البيوت والقتل خارج القانون وإنكار وجود الآخر وحقه في الحياة. انها دولة عنيفة وعنصرية يلقن فيها القادة جنودهم بأنهم يواجهون شعباً او أناساً لم يخلقوا لكي يعيشوا كباقي البشر، وإنما ليموتوا ويجب ان نساعدهم على هذا الموت.
لقد أرعبني هذا التسجيل الذي أذاعته قناة الجزيرة يوم الخميس في تحقيق استقصائي عن تجارة السلاح الإسرائيلية، لأقوال هذا القائد المدرب في الجيش الإسرائيلي لقواته عن السكان الفلسطينيين، الذين خلقوا ليموتوا وان علينا مساعدتهم في تحقيق هذه الغاية. هكذا لم يتعلموا ولن يتعلموا سوى القتل لشعبنا، إرسال الطائرات الحربية ليلا وقصف غزة لبث الذعر لدى الأطفال الفلسطينيين وآبائهم وأمهاتهم، كما نسف عتبات المنازل في الخليل ليلا، وقبل ذلك في الانتفاضة الأولى بتكسير الأيدي ولكن دون ان يتعلموا أن كل ذلك لم يجد نفعاً. وبعد ستين عاماً ليس أن الفلسطينيين اكثر تمدداً على ارضهم وفي الشتات، بل أكثر تعليما وقوة من أي وقت مضى، اكثر ثقافة وخبرة واكثر صلابة واكثر تعلما بأساليب عدوهم.
واذا كانت قضية الخطف صحيحةً مرة أُخرى وحتى بعد إدانتها في الخطاب الرسمي الفلسطيني، فإن ذلك لا يغير من وجه الحقيقة الأُخرى، وهي ان الفلسطينيين مستعدون للذهاب إلى أبعد حد ممكن من أجل تحرير أسراهم، ومهما كلفهم ذلك من ثمن. وإن هناك شعباً وأناساً مستعدون لمثل هذه التضحيات، فإن هذا هو الشعب الحر والجدير بالحياة وبالنصر ولا يمكن هزيمته.
فقط ثمة رجل تعلم هو اسحق رابين وقد قتل لأنه تعلم، حين قال "ان الانتفاضة هي كرامة وبطولة الفلسطينيين" انتهى الأمر. وذهب للاتفاق ووضع يديه بيد ابي الفلسطينيين. واليوم لم يستطيع خلفاء رابين إحداث التحول في الموقف الإجمالي الإستراتيجي العام، وإذا كان الإسرائيليون اعتقدوا وراهنوا على عملية السور الواقي وذروتها قتل عرفات، انه لن تقوم للفلسطينيين قائمة في الضفة، فإن ما يحدث الآن هو إعادة استئناف الاشتباك السياسي والحربي الذي انقطع العام 2004 في ميدان حسم الصراع الحقيقي على ارض الضفة، ومن نقطة تتجاوز اللحظة التي توقفت عندها الانتفاضة الثانية وعملية السور الواقي الأولى، وحيث يبدو أن في حرب الكر والفر هذه أن عبقرية الحيل والأساليب الإسرائيلية قد وصلت الى استنزاف مداها الأقصى طاقتها المندفعة، ولم يعد في جعبة اليهودي الأخرق ما يفعله غير ما فعله، وقد وصل مجهوده حتى أقصاه. بينما الفلسطينيون هم الذين تبدو اليوم طاقتهم الكامنة كالوتر المشدود على آخره.


