أسبوع مضى تقريباً على اختفاء ثلاثة مستوطنين في الضفة الغربية، وفي منطقة خاضعة تماماً للسيطرة الإسرائيلية، وحيث لم تتمكن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية من إيجاد هؤلاء، ولا معرفة هوية من قام بهذه العملية.
لا تتوفر معلومات عن مكان المستوطنين المختفين ولا الجهة التي تقف وراء هذه العملية، ولم يخرج عن أي فصيل فلسطيني مسؤوليته عنها، فيما وجهت إسرائيل أصابع الاتهام إلى حركة حماس، وشنت هجوماً شرساً على الضفة الغربية وقطاع غزة.
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، سعى للاستفادة واستثمار هذه العملية في أكثر من جانب، الأول: أنه حوّل أنظار الرأي العام الإسرائيلي عن فشل الأجهزة الأمنية في حماية مواطنيها، إلى التكاتف من أجل استعادة المستوطنين الثلاثة.
ثانياً: يدرك نتنياهو أنه محاصر من الغرب والمُتسبب الرئيس في فشل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وقد وفرت له عملية "غوش عتصيون"، الذرائع حتى يوجه سكاكينه إلى الرئيس محمود عباس وحكومة الوحدة الوطنية التي يرفضها جملةً وتفصيلاً.
لقد حرص نتنياهو على توجيه رسائل للعالم، مفادها أنه لا السلطة الفلسطينية ولا الرئيس عباس شريكان مناسبان للسلام، وأنه ينبغي دفع حكومة المصالحة إلى الهاوية، وصدرت تصريحات كثيرة عن نتنياهو، تعتبر أن القبول الإسرائيلي باستكمال المفاوضات شرط لإجهاض المصالحة مع "حماس".
ثالثاً: يرى نتنياهو أن الفرصة قائمة لتعميق الاحتلال الإسرائيلي بالضفة الغربية، ومن ثم إضعاف "حماس" هناك وإضعافها كذلك في القطاع، الأمر الذي دفع رئيس الوزراء إلى شن حرب واسعة على مختلف مدن الضفة وإعادة احتلالها بضخ آلاف الجنود الإسرائيليين.
ليس هذا فحسب، بل تزامن مع هذا الإجراء اعتقال مئات الفلسطينيين، بينهم قيادات حمساوية، وأعيد اعتقال عشرات الفلسطينيين الذين أفرج عنهم سابقاً، بينما شهد قطاع غزة استمراراً في القصف الإسرائيلي، وعلى الأرجح أن تتسع دائرة الاستهداف لتشمل اغتيالات وعدوانات محدودة هناك.
رابعاً: يريد نتنياهو أن يصدّر أزمته، فقد اتهم "حماس" واستخدمها طعماً لخلق أسافين كثيرة في جدار المصالحة الوطنية الفلسطينية، ثم إن نتنياهو يسعى للتغطية على تغوله الاستيطاني وعلى إضراب الأسرى الفلسطينيين، الذي حرفت الأنظار عنه بشكل أو بآخر، لصالح "بروباغندا" اختفاء المستوطنين.
المعنى أن نتنياهو الذي وضع السلطة الفلسطينية وتحديداً "حماس" في "بوز المدفع"، استثمر هذه الاتهامات حتى يكرس مشروعه الاستيطاني ويهوّد ما يعتبره مناطق استراتيجية حساسة، وحتى يحرف أنظار العالم عن قضية الأسرى الفلسطينيين وصمودهم الإضرابي والأسطوري في وجه الاحتلال.
ما نلاحظه الآن هو انشغال الإعلام والصحافة بقضايا مستحدثة ومستعجلة تتصل باختفاء المستوطنين الثلاثة وتبعات هذه التكلفة على الفلسطينيين والتحرك الإسرائيلي في ضوء سيناريوهات تستهدف ضرب وحدة الفلسطينيين وإضاعة الوقت حتى تستوي وتنضج المخططات الإسرائيلية.
ليس من المستبعد أن يعتبر العالم الغربي بأن الحق مع نتنياهو في إطلاق سعاره من أجل حماية مواطنيه، ذلك أن رئيس الحكومة الإسرائيلية سيستثمر هذه الفرصة جيداً، حتى يقبض أثماناً مربحة تتجاوز تكلفة عملية اختفاء المستوطنين.
فلسطينياً، شكلت عملية "غوش عتصيون" عنواناً آخر لمدى حالة التباين بين السلطة الفلسطينية وحماس، ففي حين يعتقد الرئيس عباس أن توقيت إعلان هذه العملية أحرج سلطته، وأنها تبذل الجهد اللازم وتنسق مع إسرائيل من أجل العثور على المستوطنين المختفين، فقد أكد مرةً أخرى بأن حكومته تؤمن بالتنسيق الأمني مع دولة الاحتلال، وأن ذلك ليس عيباً.
عباس وأمام وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي في جدة، انتقد الخاطفين وشدد على أنه يرفض انتفاضة ثالثة وأنه مع النضال السلمي الذي يؤكد بأنه الحل الأنسب لمواجهة إسرائيل في المنابر الدولية.
هذا التصريح دفع بحركة حماس للخروج عن صمتها، حيث ندد المتحدث باسمها سامي أبو زهري، بتصريحات عباس التي قال إنها "غير مبررة وضارة بالمصالحة الفلسطينية ومخالفة لاتفاق القاهرة وللإجماع الوطني الفلسطيني".
لم تقف الأمور عند تنديد "حماس"، بل تجاوزتها ببيان صادر عن حركة فتح، شجب فيه ما أسماها تصريحات مشبوهة وغير مسؤولة من قبل بعض قيادات "حماس"، الأمر الذي يؤثر على مسار المصالحة ويربكه، خصوصاً بعد أن توجت هذه الأخيرة بعقبة رواتب موظفي قطاع غزة وإغلاق البنوك.
إن كل ما يهم نتنياهو هو إعادة الفلسطينيين على جدول القسمة، وأما الأخيرون فيبدو أن رياحهم تتطاير مع كل موجة امتحان تصادفهم، وعلى الأرجح ليس هناك في الأفق الحالي أي نية للتقدم في ملف المصالحة، في ظل هذه الأجواء الصعبة التي فرضها الإسرائيليون ويعيشها الفلسطينيون.
واضح أن نتنياهو يتحرك وفق سيناريو محدد، يستهدف خلاله جميع الفلسطينيين، ويسعى من هذه العملية لتعظيم مكاسبه، بينما نحن الفلسطينيين نصر على كشف عوراتنا في عز أزماتنا التي تتطلب منا التكاتف لمحاصرة المخططات الموجهة ضدنا.
ليس من المعقول أن تظهر الخلافات الفلسطينية في كل أزمة، والحكمة تقتضي حقيقةً التوحد خلف القيادة الفلسطينية، خصوصاً حينما تستل إسرائيل كل سيوفها ضدنا، وفي هذا الوقت الذي نحن أحوج فيه للوقوف بجانب الأسرى المضربين عن الطعام لعشرات الأيام، ووقف كل أشكال العدوان والاستيطان الإسرائيلي.
المقصود هو أن هناك خلافات واضحة بين "فتح" و"حماس" لا يمكن اختزالها جميعاً في الذهاب إلى مصالحة وطنية وتشكيل حكومة وحدة، لكن الظروف الحالية تستدعي التعامل بوطنية ومسؤولية عالية وفق أولويات اللحظة، الأمر الذي يعني ضرورة التوقف عن تبادل الاتهامات والتوحد في ظل الأخطار والتهديدات المستعرة وقت الأزمات والطوارئ.
علينا أن لا نستهلك كل وقتنا وجهدنا للخلاف، كما علينا تحديد أولوياتنا التي تدعونا لصون وحدتنا وتماسكنا ومواصلة دعمنا للأسرى المضربين حالياً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، ومواجهة عدوانات الاحتلال وتسيير المظاهرات التي تطالب بوقف الاستيطان وتهويد الضفة والمقدسات الإسلامية.
Hokal79@hotmail.com


